أخبار
الدافعية ونظرية التدافع …. محركات التفاعل الإنساني والتطوير السلوكي

إعداد: د. وليد جابر عبد اللطيف
مقدمة: ماهية الدافعية وأهميتها في الوجود البشري
تُعد الدافعية (Motivation) المحرك الأساسي للسلوك البشري، فهي تلك القوة الكامنة التي تدفع الفرد نحو تحقيق أهدافه وتلبية احتياجاته النفسية والبيولوجية. في سياق العلوم التربوية وعلم النفس الحديث، لا تقتصر الدافعية على مجرد الرغبة في الإنجاز، بل تمتد لتكون الركيزة المحورية التي تقوم عليها عمليات التعلم والتواصل الاجتماعي.
إن نقص الدافعية يمثل عقبة رئيسية أمام أي تطور بشري، حيث يؤدي غيابها إلى تراجع مستويات الانتباه، وزيادة مشاعر الإحباط، وصعوبة الانخراط في المواقف التعليمية والاجتماعية. وبناءً على الدراسات الحديثة، فإن فهم “لماذا يتحرك الإنسان؟” هو المفتاح الأساسي لتصميم برامج تدريبية وعلاجية ناجحة، خاصة عند التعامل مع الفئات التي تعاني من تحديات نمائية مثل اضطراب طيف الذاتوية، حيث تبرز الدافعية كأداة لكسر حاجز العزلة والاندماج في المجتمع.
أولاً: نظرية التدافع كمنظور فلسفي وعلمي جديد
لقد أحدث العالم العربي المصري د. خالد النجار تحولاً جوهرياً في الفهم السيكولوجي لمحركات السلوك، حيث أعاد تشكيل الرؤية التقليدية للدافعية من خلال ‘نظرية التدافع‘ (Pushiation Theory). لم تعد الدافعية في هذا الإطار مجرد استجابات آلية أو ردود فعل عابرة، بل غدت كينونة ديناميكية تعكس سعياً إنسانياً مطلقاً نحو الارتقاء وتحقيق التوازن، مما يقدم إطاراً تفسيرياً مبتكراً يربط بين الذات الإنسانية وتفاعلاتها الاجتماعية في منظومة نمو مستمرة.
- المحرك الأساسي للتفاعل: يُعرف “التدافع” بأنه حالة من السعي المطلق نحو تحقيق الأهداف للفرد والمجتمع، دون أن يتطلب ذلك بالضرورة إقصاء الآخر أو العدوان عليه. إنه “تدافع” من أجل البقاء والتطور.
- التدافع الكوني والمسؤولية: تقوم النظرية على الإيمان بأن لكل فرد دوراً محورياً في “عجلة التدافع الكوني”. هذا الإدراك يولد دافعية ذاتية قوية لدى الأفراد والباحثين والقائمين على الرعاية للعمل بجد لمساعدة الفئات الضعيفة وتحقيق التوازن الاجتماعي.
- تحقيق التوازن النفسي: تساهم هذه النظرية في فهم التفاعل الاجتماعي بصورة أعمق، مما يساعد في تحقيق الاستقرار النفسي، حيث يشعر الفرد بأن كل مجهود يبذله هو جزء من حركة كونية كبرى تهدف للإصلاح والبناء.
ثانياً: الدافعية كاستجابة محورية (Pivotal Response)
في البرامج العلاجية الحديثة، تُصنف الدافعية كأحد “المجالات المحورية” التي يؤدي تحسينها إلى تغييرات إيجابية تلقائية في مجالات سلوكية واجتماعية أخرى. إن التركيز على الدافعية يعني أننا لا نعلم الفرد “كيف” يستجيب فحسب، بل نجعله “يريد” أن يستجيب.
استراتيجيات تعزيز الدافعية وفقاً للأبحاث:
- إعطاء حرية الاختيار: السماح للفرد باختيار الأنشطة أو الأدوات التي يفضلها يزيد من انخراطه ودافعيته الذاتية بشكل ملحوظ.
- التعزيز الطبيعي المباشر: استخدام مكافآت مرتبطة مباشرة بالنشاط الممارس (مثل الحصول على اللعبة فور طلبها) يعزز الرابط الذهني بين الجهد والنتيجة، مما يبني دافعية مستدامة.
- التحكم المشترك: المشاركة الفعالة بين المعلم والمتعلم في تحديد المهام وتوزيع الأدوار يقلل من مقاومة التعلم ويزيد من الحماس.
- دمج المهام (السهلة والصعبة): الخلط بين المهام المكتسبة سابقاً (التي تمنح شعوراً بالإنجاز) والمهام الجديدة يمنع الإحباط ويحافظ على مستوى مرتفع من الدافعية.
ثالثاً: دور الدافعية في التواصل الاجتماعي
القدرة على التواصل الاجتماعي هي هبة تعزز البقاء وبناء العلاقات الإنسانية. ومن خلال منظور الدافعية والتدافع، يظهر أن التواصل ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو حاجة ملحة ناتجة عن دافع داخلي.
- التواصل نتاج التفاعل: لا يمكن أن يتحقق التواصل إلا كعملية اجتماعية ناتجة عن التفاعل بين الفرد وبيئته، وهو ما يهدف إليه “التدافع” في جوهره؛ حيث يسعى كل طرف للتأثير والتأثر.
- المبادأة والضبط الذاتي: الدافعية القوية تقود الفرد نحو “المبادأة” (Initiation)، وهي الرغبة العفوية في بدء الحوار أو طرح الأسئلة، كما تسهم في تعلم “الضبط الذاتي” للسلوك من أجل الحفاظ على القبول الاجتماعي.
- التعزيز والحماس: استخدام فنيات التعزيز المادي والمعنوي يرفع من حماس الأفراد لأداء المهام الصعبة، حيث يتحول الجهد من كونه عبئاً إلى كونه وسيلة للحصول على التقدير والنجاح.
رابعاً: أبعاد الدافعية في العمل والتعلم
تتعدد أبعاد الدافعية لتشمل الجوانب الداخلية والخارجية:
- الدافعية الداخلية: تنبع من حب الاستطلاع والرغبة في الإتقان، وهي الأبقى والأكثر تأثيراً في الشخصية.
- الدافعية الخارجية: وتتمثل في المكافآت، الثناء، والدرجات، وهي ضرورية جداً في المراحل الأولى لتشكيل السلوك الجديد.
إن دمج هذين النوعين من الدافعية في ظل “نظرية التدافع” يخلق توازناً يسمح للفرد بالتطور المستمر دون الشعور بالاستنزاف النفسي.
الخاتمة: الدافعية كمنهج حياة مستدام
إن دمج مفاهيم نظرية التدافع مع استراتيجيات تنمية الدافعية يخلق منهجاً شمولياً يتجاوز مجرد التدريب التقليدي إلى تحقيق تفاعل إنساني عميق ومثمر. إن السعي الدائم نحو الأهداف (التدافع الإيجابي) يضمن استمرارية النجاح وتعميم المهارات المكتسبة في مختلف مواقف الحياة اليومية.
في النهاية، تظل الدافعية هي الوقود الذي يحرك العقل والروح، وبدونها تفقد المهارات قيمتها. لذا، فإن الاستثمار في رفع دافعية الأفراد هو استثمار في بناء مجتمع متفاعل، منتج، وقادر على مواجهة التحديات بروح المبادرة والإبداع.
المراجع:
- النجار، خالد عبد الرازق (2018). نظرية التدافع نحو نظرية لفهم وتفسير السلوك الإنساني، القاهرة، مصر، مؤسسة حورس الدولية.
- عبد اللطيف، وليد جابر (2022). برنامج قائم على الاستجابة المحورية لتنمية التواصل الاجتماعي لدى الطفل الذاتوي في ضوء نظرية التدافع. رسالة دكتوراة. جامعة القاهرة: كلية التربية للطفولة المبكرة.
- حطيبة، ناهد فهمي. (2004). فاعلية برنامج تربوي لتثقيف أطفال الروضة في بعض الاستجابة المحورية وتنمية اتجاهاتهم نحوها. العدد (98).
- معوض، نهى عطا محمود. (2022). فاعلية برنامج قائم على نظرية التدافع لتنمية سمات المسايرة وخفض المغايرة لدى أطفال مرحلة الطفولة المبكرة. رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة بني سويف: كلية التربية للطفولة المبكرة.
- Friedrich, A. E. (2018). Effectiveness of Pivotal Response Training as a peer-mediated strategy to increase social interactions for students with autism spectrum disorder and communication disorders, MA Thesis, Rowan University.
- Rezaei, M.; Moradi, A. R.; Tehrani-Doost, M.; Hassanabadi, H. R., & Khosrow Abadi, R. (2018). A Pilot Study on Combining Risperidone And Pivotal Response Treatment On Communication Difficulties In Children With Autism Spectrum Disorder, Advances in Autism; 4 (2).
- Gouvousis, A. (2019). Teacher Implemented Pivotal Response Training To Improve Communication In Children With Autism Spectrum Disorders, PhD Thesis, East Carolina University.