أخبار
ما بعد التقييم النفسي التربوي…

كيف يصبح الاختصاصي النفسي بوابة تمكين الأسرة وقيادة مسارها الجديد مع طفلها؟
بقلم د. روحي عبدات
تشخيص الطفل بإعاقة ليس مجرد تقرير طبي أو تربوي نفسي، ولا هو مجرد مسمى يعطى للأسرة ليصبح جزءاً من واقعها، بل هو نقطة تحول محورية في حياة الوالدين، وبداية مرحلة جديدة تحتاج إلى وعي، وتوجيه، وإرشاد، وفهم صحيح لما سيأتي لاحقاً. كثير من الأسر تتعامل مع التشخيص والتقييم على أنه “حكم نهائي”، أو صدمة تجرّها نحو الخوف والقلق، بينما الواقع المهني يؤكد أن التقييم النفسي، حين يقوده اختصاصي نفسي متمكن، يمكن أن يكون خارطة طريق واضحة ترسم للأسرة خطوات العمل القادمة، وتضعها على المسار السليم الذي يضمن لطفلها أفضل فرص النمو والتطور.
في هذه المرحلة الحساسة، يصبح دور الاختصاصي النفسي جوهرياً ليس فقط في تفسير مخرجات التقييم النفسي التربوي، بل في إعادة بناء طريقة تفكير الأسرة تجاه الحالة. فالاختصاصي لا ينقل معلومة، بل يعيد تشكيل وعي الوالدين تجاه قدرات طفلهما، ويحوّل معرفتهما بالحالة إلى دافع للعمل، لا إلى سبب للخوف. وهنا تكمن قوة التدخل المهني: أن يتحول الخبر الصادم إلى نقطة انطلاق، وأن تتحول الدهشة الأولى إلى خطة واضحة، وأن يتحول القلق إلى عمل منظم.
من أهم أدوار الاختصاصي النفسي في مرحلة ما بعد التقييم هو تمكين الوالدين نفسياً ومعرفياً وسلوكياً. فالأسرة التي لا يتم تمكينها تبقى في دائرة الانتظار والاعتماد على الجلسات، بينما الأسرة المُمكَّنة تصبح شريكاً فاعلاً في رحلة التأهيل وتقدم طفلها. وتمكين الأسرة لا يتم عبر إعطائها محاضرات نظرية، بل يتم من خلال عملية مهنية متدرجة تشمل: تفكيك المشاعر الأولى، ترسيخ التقبل، توضيح معنى التقييم ونتائجه، صياغة توقعات واقعية، تدريب الوالدين على مهارات التعامل اليومية، وإشراكهما في الخطة العلاجية.
يبدأ هذا التمكين منذ لحظة إبلاغ الأسرة بالتقييم، حيث يعمل الاختصاصي النفسي على نزع الغموض عن المفهوم، وشرح طبيعة الإعاقة بصورة سهلة بعيدة عن المصطلحات المعقدة. فحين يفهم الوالدان التشخيص والتقييم بصورة صحيحة، يصبح بإمكانهما اتخاذ قرارات صائبة، وينخفض مستوى خوفهما، وتنمو لديهما القدرة على مواجهة المرحلة المقبلة. إن التقييم في يد الاختصاصي ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو أداة لبناء وعي جديد لدى الأسرة، وفهم جديد لطبيعة طفلها ونقاط قوته وأولوياته.
بعد ذلك، تأتي الخطوة الأكثر أهمية: وضع الأسرة على المسار السليم. حيث أن الكثير من الأسر بعد مرحلة التقييم النفسي للطفل تدخل في دوامة البحث العشوائي عن الحلول، بين مراكز مختلفة، وجلسات متعددة، ونصائح متضاربة من الأشخاص أو وسائل التواصل الاجتماعي. هنا يتدخل الاختصاصي النفسي بدور واضح في رسم خارطة طريق دقيقة تتضمن:
ـ ما الذي يجب البدء به؟
ـ ما الخدمات ذات الأولوية؟
ـ ما الذي يمكن فعله في المنزل؟
ـ ما الأهداف الواقعية خلال الأشهر الأولى؟
ـ وكيف يتم تقييم التقدم؟
هذه الخارطة تمنع تشتت الأسرة وضياع وقت الطفل، وتجعل عملية التدخل مبنية على علم وخبرة، لا على اجتهادات عشوائية.
ولا يقتصر دور الاختصاصي النفسي على التخطيط، بل يمتد ليشمل تحفيز الأسرة نحو العمل الفعّال. فالأسرة التي تعتمد بالكامل على الجلسات العلاجية دون مشاركة منزلية تفقد الكثير من فاعلية التدخل المبكر. وهنا يظهر دور الاختصاصي في إقناع الأسرة -بطرق مهنية- بأن التحسن يحدث في المنزل قبل المركز، وبأن تعليم الطفل لا ينتهي مع انتهاء الجلسة، بل يمتد إلى الروتين اليومي، وطريقة التواصل، ولحظات اللعب، ومواقف الحياة الطبيعية. إن تمكين الأسرة من تنفيذ الأنشطة في المنزل هو ما يجعل الطفل يكتسب المهارات ويعمّمها في البيئات الطبيعية الأخرى.
وإضافة إلى دعم الأسرة نفسياً وسلوكياً، يعمل الاختصاصي النفسي على بناء علاقة شراكة حقيقية معها، علاقة مبنية على الثقة والاحترام والوضوح. هذه العلاقة هي التي تدفع الأسرة إلى الالتزام بالخطة، وتمنحها الإحساس بأنها ليست في هذا الطريق وحدها، بل هناك من يقود الرحلة معها، ويوفر لها العلم والخبرة، ويمنحها القوة لتجاوز الصدمة والانطلاق نحو التمكين.
التشخيص والتقييم النفسي ليس كلمة تُقال للأسرة، ولا تقريراً يتمّ تسليمه، وإنما هو منعطف يحتاج إلى قائد، وهذا القائد هو الاختصاصي النفسي. بحيث يوجه الأسرة ويمدّها بالوعي، ويحوّل ارتباكها إلى خطة، وخوفها إلى فهم، وحيرتها إلى خطوات عملية واضحة. بحاجة إلى من يختصر عليها الطريق الطويل، ويمنعها من الوقوع في الأخطاء الشائعة واتباع ممارسات ليست مبنية على البراهين، ويمنحها القدرة على رؤية طفلها بإمكاناته لا بضعفه.
أخيراً وليس آخراً، الأسرة التي تجد من يمكّنها ويقف إلى جانبها بعد التشخيص، تصبح أكثر قدرة على مواجهة الواقع، وأكثر استعداداً للعمل، وأكثر وعياً في التعامل مع طفلها. والاختصاصي النفسي الذي يؤدي دوره بمهارة وصدق يسهم في تغيير حياة الطفل والأسرة معاً، ويجعل مرحلة ما بعد التشخيص والتقييم النفسي مرحلة بناء لا انهيار، ومرحلة وعي لا خوف، ومرحلة أمل لا إحباط.