أخبار
الأشخاص ذوي الاضطرابات النمائية العصبية في بيئات العمل

الترتيبات التيسيرية المعقولة للأشخاص ذوي الاضطرابات النمائية العصبية في بيئات العمل
مدخل أساسي لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة
د. روحي عبدات
يعتبر العمل أحد الحقوق الأساسية للأشخاص ذوي الإعاقة، وليس امتيازاً مشروطاً بقدرات بعينها. فالحق في العمل يرتبط بالكرامة الإنسانية، والاستقلال الاقتصادي، والمشاركة المجتمعية الفاعلة. وقد أكدت الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب التشريعات الوطنية في دولة الإمارات العربية المتحدة، على هذا الحق، داعيةً إلى إزالة العوائق التي تحول دون مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل على قدم المساواة مع الآخرين.
غير أن الاعتراف القانوني بالحق في العمل لا يكفي وحده لتحقيق الدمج الفعلي، ما لم يُترجم إلى ممارسات عملية داخل بيئات العمل، وعلى رأسها توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة التي تمكّن الشخص من أداء عمله بكفاءة، وتحافظ في الوقت ذاته على كرامته الإنسانية واستقلاليته.
لذلك سأحاول في هذا المقال التطرق لطبيعة التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في عالم العمل، وكيف يمكن للترتيبات التيسيرية المعقولة المساهمة بشكل فاعل في تحويل بيئة العمل إلى بيئة مشجعة وداعمة، مع التركيز على الأشخاص ذوي الاضطرابات النمائية العصبية كونهم يواجهون تحديات أكبر في عملية التشغيل.
ما المقصود بالترتيبات التيسيرية المعقولة؟
الترتيبات التيسيرية المعقولة هي تعديلات أو تكييفات ضرورية ومناسبة يتم إجراؤها في بيئة العمل أو في طريقة أداء العمل، دون أن تشكل عبئاً غير مبرر على جهة العمل، بهدف تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة حقهم في العمل بشكل فعّال ومتساوٍ مع الآخرين.
ولا تعني هذه الترتيبات تخفيض معايير الأداء أو إعفاء الموظف من مسؤولياته تساهلاً معه لكونه من الأشخاص ذوي الإعاقة، بل تعني تكييف البيئة أو الوسائل بما يسمح له إظهار قدراته الحقيقية. فالفارق بين الإقصاء والتمكين غالباً لا يكون في كفاءة الشخص، بل في مدى مرونة النظام المحيط به ليكون داعماً له.
التحديات في بيئات العمل
يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة تحديات متعددة في أماكن العمل، يمكن تصنيفها إلى:
- تحديات مادية: مثل عدم ملاءمة المباني أو المرافق.
- تحديات تقنية: كغياب الأدوات أو التقنيات المساندة.
- تحديات اجتماعية وسلوكية: كضعف الوعي، أو الصور النمطية، أو سوء الفهم من الزملاء.
- تحديات تواصلية وتنظيمية: تتعلق بطريقة نقل التعليمات أو إدارة الوقت والمهام.
ورغم أن كثيراً من هذه التحديات تكون واضحة عند الأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية أو الحسية، إلا أنها تأخذ طابعاً غير مرئي لدى فئات أخرى، وعلى وجه الخصوص الأشخاص من ذوي الاضطرابات النمائية العصبية، والإعاقات النفسية.
خصوصية التحديات لدى الأشخاص ذوي الاضطرابات النمائية العصبية، والإعاقات النفسية:
يشمل التصنيف الوطني الموحد للأشخاص ذوي الإعاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة فئة الاضطرابات النمائية العصبية مثل اضطراب طيف التوحد والإعاقات الذهنية، وفئة الإعاقات النفسية الانفعالية، وهي إعاقات قد لا تكون ظاهرة جسدياً، لكنها تؤثر بشكل مباشر على:
- التواصل اللفظي وغير اللفظي
- التفاعل الاجتماعي وفهم السياق المهني
- التكيف مع البيئات الحسية (الضوضاء، الإضاءة، الازدحام)
- التنظيم التنفيذي (إدارة الوقت، ترتيب الأولويات، الانتقال بين المهام)
- تنظيم الانفعالات والتعامل مع الضغوط
وقد يفسر بعض أصحاب العمل هذه التحديات على أنها ضعف في الالتزام أو الأداء، في حين أنها في الواقع حاجات من الضروري تلبيتها ومعالجتها بترتيبات بسيطة لكنها فارقة في حياة الأشخاص ذوي الإعاقة. وفيما يلي أمثلة عن مجموعة من الترتيبات التيسيرية التي أثبتت فعاليتها، خاصة للأشخاص ذوي الاضطرابات النمائية العصبية، وذوي الإعاقات النفسية الانفعالية:
تكييف التواصل والتعليمات
- تقديم التعليمات مكتوبة وواضحة بدل الاعتماد على التوجيه الشفهي فقط.
- تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة ومتسلسلة.
- استخدام الجداول البصرية أو القوائم اليومية.
تعديل البيئة الحسية
- توفير مكان عمل هادئ أو تقليل الضوضاء قدر الإمكان.
- السماح باستخدام سماعات عازلة للصوت.
- تعديل الإضاءة لتجنب الإضاءة القوية أو الوميض.
المرونة في الوقت والتنظيم
- مرونة في أوقات الدوام أو فترات الاستراحة.
- السماح بالعمل وفق روتين ثابت وواضح.
- تقليل التغييرات المفاجئة وإشعار الموظف مسبقاً بأي تعديل.
الدعم الاجتماعي والمهني
- تعيين مشرف مباشر أو نقطة اتصال واضحة.
- تدريب الزملاء على أسس التعامل الدامج.
- توفير جلسات دعم أو إرشاد مهني عند الحاجة.
تكييف المهام وليس الشخص
- إعادة تصميم بعض المهام لتتناسب مع نقاط القوة لدى الموظف.
- التركيز على الكفاءة الفعلية بدل المهارات الاجتماعية الثانوية غير الضرورية لطبيعة العمل.
وغالباً تكون هذه التعديلات منخفضة التكلفة، لكنها عالية الأثر، وتحدث فرقاً جوهرياً في استقرار الموظف وإنتاجيته وشعوره بالانتماء.
من الترتيبات الفردية إلى ثقافة مؤسسية دامجة
لا ينبغي أن تُفهم الترتيبات التيسيرية باعتبارها استثناءات فردية، بل ما نتمناه أن تكون جزءاً من ثقافة مؤسسية دامجة تعترف بتنوّع طرق التفكير والعمل. فبيئة العمل التي تراعي الفروقات العصبية لا تخدم فقط الأشخاص ذوي الإعاقة، بل تُحسّن جودة العمل لجميع الموظفين. ومن المهم القول أن نجاح هذه الترتيبات يعتمد على قناعة الإدارة بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل، تدريب موظفي الموارد البشرية، إشراك الأسرة عند الحاجة، والمتابعة والتقييم المستمرين.
وفي نهاية هذا المقال أود التذكير بأن الترتيبات التيسيرية المعقولة لا ينبغي أن تكون عبئاً في المؤسسة، بل هي استثمار في الإنسان مهما كانت قدراته. وهي الوسيلة التي ننتقل بها من مفهوم التوظيف الشكلي إلى التوظيف الدامج والحقيقي، خصوصاً للأشخاص ذوي الاضطرابات النمائية العصبية والإعاقات النفسية الذين يمتلكون طاقات وقدرات كبيرة، لكنها تحتاج إلى بيئات تفهمهم وتدعمهم. وحين نُهيئ بيئات العمل لتكون أكثر إنصافاً ومرونة، فإننا لا نُغيّر حياة الأشخاص ذوي الإعاقة فحسب، بل نُعيد تعريف النجاح المؤسسي بوصفه نجاحاً يشمل الجميع، دون استثناء.