أخبار
رحلة الإنسان…

رحلة الإنسان في هذه الحياة رحلةُ مَنازل، ينتقل فيها من مقام إلى مقام، ومن حال إلى حال.. والحياة نفسها منازل، والإنسان مسافر فيها، لا يقيم في منزلة إلا ليغادرها إلى ما بعدها.. وهذا الانتقال قد يكون صعودًا نحو الكمال، وقد يكون هبوطًا -لا قدّر الله- إلى أسفل سافلين.
ومن الناحية البيولوجية، يمرّ الإنسان بهذه المنازل بصورة تلقائية؛ يولد طفلاً ضعيفًا، ثم يشتدّ عوده في الشباب، ثم يبلغ مرحلة الشيخوخة. وهذا الانتقال الزمني لا يحتاج إلى وعي أو جهد، إذ تجري به سنن الخلق. غير أن الخطورة كل الخطورة، تكمن في أن يظن الإنسان أن ذلك هو كل شيء، وأن الحياة لا تعدو أن تكون سلسلة أعمار تتبدل، وأجساد تكبر ثم تفنى. فالانتقال الحقيقي، والرحلة التي من أجلها خُلق الإنسان، هي الرحلة الروحية والأخلاقية والمعنوية.
لقد وُجد الإنسان في هذه الحياة ليقطع منازل، لا بأقدام الجسد، بل بخُطا الروح والعقل والقلب. وقطْع هذه المنازل لا يكون تلقائيًّا، وإنما يحتاج إلى وعي وبصيرة، وإلى إدراك عميق لمعنى الوجود. فالسؤال الجوهري الذي لا بد أن يطرحه الإنسان على نفسه في هذا المقام هو: لماذا أنا هنا؟ أنا هنا لأنتقل، لأتغيّر، لأصعد من منزلة إلى منزلة؛ حتى أبلغ حالة النضج والاستواء.
وحين يتحدث القرآن الكريم عن بلوغ الإنسان أشُدَّه واستواءه كما في قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)(القصص:١٤)، فإنه يشير إلى اكتمال الإنسان من الداخل؛ اكتمال الوعي، واتزان النفس، ونضج العقل، واستقامة السلوك.. كما أن الاستواء حالة عُليا لا تُنال بالعمر وحده، وإنما تُنال بالسير الصاعد بين المنازل.
ومن هنا ندرك أهمية الاتجاه في الانتقال، الذي يمنحه معناه؛ فالإنسان قد ينتقل من منزلة إلى أخرى هبوطًا، فيفقد ما كان قد اكتسبه من صفاء ونور، ويقع في دركات الغفلة والانحطاط، وهذا هو المعنى الذي تشير إليه الآية الكريمة: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)(التين:٥)، أما الانتقال المطلوب، فهو الانتقال الصاعد، الذي يجعل الإنسان في كل مرحلة أفضل مما كان عليه قبلها.
كيف يقطع الإنسان هذه المنازل؟ الجواب يكمن في طريقة تعامله مع الحياة. والحياة في حقيقتها هي سلسلة من الابتلاءات. والابتلاء لا يعني بالضرورة المصائب العظيمة، إنما يشمل كل ما يواجه الإنسان من مشكلات وتحديات؛ في بدنه، في رزقه، في أهله، في علاقاته، في فرحه، في رخائه، في نجاحه، وفي داخله قبل كل شيء.
هذا وإن الإنسان عندما يواجه صعوبة ما، يكون أمام خيارين: إما أن يتعامل معها بوعي وحكمة فيتحول الابتلاء إلى جسر عبور نحو منزلة أعلى، وإما أن يستسلم للجزع والسخط فيتحول الابتلاء إلى سبب للهبوط والتراجع. ومن ثم، إذا تعلّم الإنسان كيف يتعامل مع الشدائد بالصبر، ومع النعم بالشكر، ومع الغموض بالتوكل، ومع الخوف بالرجاء.. فإنه يكون قد تعلّم لغة الحياة، وفهِم آليات السير فيها والتعامل معها.
ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن الصبر هو قوة داخلية تمكّن الإنسان من تحويل الضعف إلى قوة، والجهل إلى علم، والتجربة المؤلمة إلى حكمة. وكلما نجح الإنسان في تجاوز مشكلة ما، انتقل بالفعل من منزلة إلى منزلة.. فالتجربة التي لا تغيرنا، لا قيمة لها، أما التجربة التي تجعلنا أعمق فهمًا، وأصفى قلبًا، وأكثر وعيًا، فهي التي تؤدي دورها الحقيقي في مسيرة النضج والاستواء.
ومن هنا يتضح أن المجاهدة هي الطريق، هي الخوض في الحياة بوعي.. يجاهد الإنسان شهواته، ومخاوفه، وكسله، وجزعه، ويجاهد أيضًا مشكلات العيش، وضغوط الواقع، وتقلبات الأيام.. وكل مجاهدة صادقة، تُثمر انتقالاً حقيقيًّا في الداخل وإن لم يلحظه الناس في الظاهر.
وإن غاية هذه الرحلة هي الوصول إلى الجنة، والجنة نهاية طبيعية لمسار النضج والاستواء. فالإنسان الذي قطع المنازل، وتربّى بالابتلاء، وتشكّل بالصبر، وصُقل بالمعرفة والعمل، يكون مؤهّلاً للدخول إلى دار السلام. أما الذي لم يقطع هذه المنازل، وبقي خامًا كما بدأ، فإنه لم يحقق الغاية من وجوده أبدًا. وقد عبّر الإمام علي رضي الله عنه عن هذه الحقيقة بعبارات تهز الوجدان، وتوقظ في القلوب أعمقَ المشاعر، فقال:
| دواؤك فـــيـــــك ومـــــــــا تُــبــصــــــرُ | وداؤك مـــــنك ومـــــــا تَـشــــــــعرُ |
| أتــــزعُــــــم أنـــك جِـــــرْمٌ صغــــــيرٌ | وفيك انطوى العالــــمُ الأكـــبرُ |
| فأنــت الكـــتابُ الـمُـبــيــنُ الــذي | بأحــــــرُفـــــه يَظهــــــر الـمُـضمَـــرُ |
فالإنسان يحمل في داخله مفاتيح شفائه وهلاكه معًا، ويحمل في ذاته أسرار الكون كله، لكنه كثيرًا ما يجهل نفسه فيبحث عما ينقصه خارجًا، بينما كنوزه مودعة في داخله.
وهذا المعنى ذاته أكده جلال الدين الرومي حين قال: “أنتَ في الظاهر شيء صغير في هذا العالم، لكنك من حيث المعنى الذي تحمله، أنت أعظمُ عالـم فيه”؛ فالإنسان ليس حجمه الجسدي، إنما ما يحمله من روح ومعنى، وما يملكه من قابلية للترقّي والتكامل. ولهذا كان الإنسان أشرف المخلوقات، وخليفة الله في أرضه.
وحين لخّص جلال الدين الرومي تجربته الحياتية بقوله: “كنتُ خامًا، فنضِجتُ، ثم احترقتُ”؛ فقد قدّم خريطة مكثفة لمسار الإنسان في رحلته الوجودية. فالخام هو الإنسان الذي يعيش ببراءة فطرية، لكنه بلا وعي عميق بذاته وبربّه. والنضج هو مرحلة التحول حين يبدأ الوعي بالتشكل، والعلم بالترسخ، والهداية بإضاءة الطريق. أما الاحتراق فهو ذروة الرحلة، حيث يتخلّى الإنسان عن أنانيته، ويذوب في المحبة الإلهية، فيتحرر من قيود الـ”أنا” والذات.
وفي هذا السياق، يشبّه جلال الدين الرومي الإنسان بالنَّاي المقتطَع من القصب؛ لا يصدر لحنًا جميلاً إلا بعد أن يُفرغ من داخله، ويُصقل بالألم، ويُمرَّر على نار التجربة، لأن الألم هو أداة التشكيل، والنار هي طريق الصفاء.
غير أن المعرفة وحدها لا تكفي.. فالعلم الذي لا يُترجَم إلى عمل، يتحول إلى عبء ثقيل. وقد ضرب القرآن الكريم مثلاً صارخًا لذلك حين شبّه الذين يحملون العلم ولا يعملون به بالحمار يحمل أسفارًا: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)(الجمعة:5). فالعلم الحقيقي هو الذي يغيّر السلوك، ويهذّب النفس، ويقود إلى القرب من الله تعالى.
وأما القرب من الله فمنزلة تعطى، ولا تعطى هذه المنزلة إلا لمن امتُحن بعلمه وعمله؛ فصبر، وصدق، وثبت. والله تبارك وتعالى لا يُعطي قربه لكل من عرف، بل لمن عمل بما عرف، وسار في طريقه بصدق وإخلاص.
وهكذا، تتجلّى رحلة الإنسان بوصفها مسارًا صاعدًا بين المنازل، تبدأ بالخام، وتمرّ بالنضج، وتنتهي بالكمال. ومَن فهِم كُنْه هذه الرحلة، لم يعُد يرى الابتلاء شرًّا مطلقًا، ولا الألم عبثًا، إنما يراهما معلِّمين يدفعانه -إن أحسن الفهم- خطوةً بعد خطوة نحو غايته الكبرى.
——————–
(*) كاتب وباحث تركي.