أخبار
حين يصنع الدماغ…

لماذا لا نسمع الضجيج الذي يسكن داخلنا؟
في لحظة هدوء تام، جرِّب أن تغلق عينيك، وأن تبتعد عن ضوضاء المدينة، وأن تحبس كل ما حولك من أصوات. ستظن أنك وصلت إلى الصمت الكامل، لكن الحقيقة أن هذا الصمت ليس إلا وهمًا جميلاً صنعه دماغك بإتقان.
ففي داخلك، لا شيء يعرف السكون.
هناك قلب ينبض بإيقاع لا يتوقف منذ اللحظة الأولى للحياة، وشرايين تدفع الدم في رحلة تمتد عبر عشرات الآلاف من الكيلومترات، ورئتان لا تنقطعان عن الشهيق والزفير، وعضلات تعمل حتى في أثناء النوم، وخلايا تتبادل الإشارات، وأعضاء لا تعرف الراحة. ولو أمكن تحويل كل هذه الحركات إلى أصوات مسموعة، لأدرك الإنسان أنه يعيش داخل عالم يعج بالحركة، وأن جسده أقرب إلى مدينة لا تنام.
ومع ذلك… لا نسمع شيئًا.
هذا السؤال البسيط قاد العلماء إلى اكتشاف واحد من أكثر أسرار الدماغ إدهاشًا؛ إذ تبيّن أن المشكلة ليست في غياب الأصوات، وإنما في وجود منظومة عصبية دقيقة تحرس وعينا، فتسمح لبعض الأصوات بالعبور، وتحجب آلاف الإشارات الأخرى.
لقد اعتدنا أن ننظر إلى الأذن بوصفها نافذة نستقبل بها أصوات العالم، لكن الدراسات الحديثة كشفت أن السمع لا يبدأ بالأذن ولا ينتهي عندها. فالأذن تلتقط الموجات، أما القرار الحقيقي بشأن ما ينبغي أن يُسمع، فيُتخذ داخل الدماغ.
إن الدماغ لا ينقل كل ما يصل إليه؛ لأنه لو فعل ذلك لعاش الإنسان في فوضى حسية لا تنتهي. إنه يمارس، في كل لحظة، عملية اختيار دقيقة؛ يلتقط صوت الطفل الذي ينادي أمه وسط ازدحام السوق، ويستجيب لصوت سيارة تقترب بسرعة، لكنه في الوقت نفسه يتجاهل صوت القلب، وحركة الدم، وهمسات الأعضاء التي لا تتوقف عن العمل. إنه لا يلغي هذه الأصوات، بل يمنعها من احتلال مساحة الوعي.
ومن هنا تتجلى إحدى أعمق صور الحكمة في خلق الإنسان؛ فليست النعمة في أن نسمع، بل في أن نسمع ما ينبغي أن نسمعه، وأن نصمت عما لو سمعناه دائمًا لتحولت حياتنا إلى عبء لا يُحتمل.
وقد أثبتت علوم الأعصاب أن الدماغ يصنّف الإشارات الواردة إليه باستمرار، فيمنح الأولوية لما يرتبط بالبقاء والتواصل والتعلم، بينما يضع الإشارات الداخلية المتكررة في خلفية الإدراك. وليس ذلك إهمالاً لها، بل لأنها أصبحت جزءًا من النظام الطبيعي الذي لا يحتاج إلى تدخل الوعي في كل لحظة.
ولعلنا لا نلتفت إلى قيمة هذه النعمة إلا حين تختل. فهناك مرضى يسمعون نبضات قلوبهم بوضوح، أو يلازمهم طنين متواصل، أو يشعرون بأصوات أجسادهم على نحو لا ينقطع. عندها يتحول ما كان نعمة خفية إلى معاناة يومية، ويكتشف الإنسان أن الصمت الذي عاش فيه سنوات طويلة لم يكن فراغًا، بل كان هدية عصبية بالغة الدقة.
ومن المثير للتأمل أن القرآن الكريم كثيرًا ما يقدِّم السمع على البصر، فيقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: 78]، ويقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾(الإسراء: 36).
وليس المقصود من هذه الآيات أن تقدّم تفسيرًا تشريحيًّا أو عصبيًّا لوظيفة السمع؛ فالقرآن كتاب هداية، لا كتاب طب أو فيزياء. لكن كلما تقدّم العلم في كشف أسرار هذه الحاسة، ازداد الإنسان وعيًا بعظمة النعمة التي بين يديه، وبأن ما يبدو مألوفًا في حياتنا اليومية يخفي وراءه من الدقة ما يعجز العقل عن الإحاطة به.
لقد أصبح العلماء اليوم قادرين على تسجيل أصوات دقيقة تصدر من القلب والرئتين والمفاصل، بل ومن داخل الأذن نفسها. وأصبحت هذه الإشارات تُستخدم في تشخيص الأمراض ومتابعة وظائف الأعضاء. ومع كل اكتشاف جديد، تتسع مساحة الدهشة؛ لأن الإنسان يكتشف أنه لم يكن يعيش في الصمت كما ظن، بل كان يعيش في نظام بالغ الإتقان، يتولى فيه الدماغ إدارة سيمفونية داخلية معقدة دون أن يشعر بها.
وربما تكمن القيمة الحقيقية للعلم في أنه لا ينتزع الغموض من الكون، بل يكشف أن وراء كل إجابة أسئلة أعمق، وأن كل باب يُفتح يقود إلى أبواب أخرى من التأمل. فما نظنه أمرًا اعتياديًّا، كأن نستيقظ صباحًا فلا نسمع إلا أصوات العالم من حولنا، يخفي وراءه ملايين العمليات الدقيقة التي تعمل في تناغم مدهش، دون أن تطلب منا انتباهًا أو جهدًا.
إن الإنسان لا يعيش في صمت؛ بل يعيش في رحمة.. رحمة جعلت جسده يعمل بلا ضجيج، وعقله يختار ما يحتاج إليه، ويترك ما سواه. ولو انكشف لنا كل ما يدور في داخلنا في كل لحظة، لما استطعنا أن نصغي إلى كلمة، أو نتأمل فكرة، أو نستمتع بلحظة هدوء.
ولعل هذا هو الدرس الذي يقدمه العلم حين يُقرأ بعين المتفكر؛ فكلما ازددنا معرفةً بآليات الخلق، ازددنا إدراكًا أن النعم الكبرى ليست دائمًا تلك التي نراها، بل كثيرًا ما تكون تلك التي لا نشعر بها أصلاً.
ولذلك، فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه العلم للإنسان ليس أن يملأ عقله بالمعلومات، وإنما أن يوقظ فيه معنى الامتنان. فهناك نعم لا ننتبه إليها إلا إذا فقدناها، وهناك أنظمة تعمل في صمت منذ أول نبضة في الحياة حتى آخرها، شاهدة على أن هذا الكون، بما فيه الإنسان، ليس نتاج مصادفة عمياء، بل أثر من آثار الإتقان الذي لا يحدّه إلا خالقه.