أخبار
صوت الموهبة الصامت -ج1 – مجلة المنال

دليل تربوي شامل ….
الكشف والتطوير للموهوبين من ذوي الإعاقة السمعية
إعداد الدكتورة الاختصاصية النفسية أماني شعبان محمد شكر
المقدمة
الموهبة هبة إلهية ونعمة كبرى تحتاج إلى الاكتشاف والرعاية والتطوير. وقد أولت المجتمعات المتقدّمة اهتماماً كبيراً بفئة الموهوبين والمتفوقين، لكونهم يشكّلون ثروة بشرية قادرة على الإبداع والإسهام في مسيرة التنمية.
غير أن الاهتمام بالموهوبين يكتسب أبعاداً أكثر تعقيدًا حينما يكون هؤلاء من الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تزداد حاجتهم إلى الرعاية الخاصة التي تكشف عن قدراتهم وتدعم إمكاناتهم.
تُعَدّ الإعاقة السمعية من أكثر الإعاقات تأثيراً على عملية الاتصال والتواصل، حيث تؤدّي إلى حرمان الطفل من المدخلات اللغوية الطبيعية، وهو ما ينعكس على تطوّره المعرفي والاجتماعي والعاطفي. ومع ذلك، فإن كثيراً من الأطفال ذوي الإعاقة السمعية يمتلكون طاقات عقلية وإبداعية فريدة قد لا تُكتشف بسهولة ما لم يُستخدم أسلوب تشخيص دقيق ومناسب.
تشير الدراسات (Renzulli, 2005؛ Gardner, 2011؛ Beumann & Weber, 2024) إلى أن نسبة من الأطفال ذوي الإعاقة السمعية يتمتّعون بقدرات استثنائية في مجالات معينة مثل التفكير البصري، الرسم، الرياضيات، المهارات اليدوية، أو حتى القيادة والتأثير الاجتماعي. لكن هذه المواهب قد تظلّ كامنة إذا لم تُكتشف في الوقت المناسب ولم تُوفّر لها البيئة التعليمية الملائمة.
من هنا تنبع أهمية هذا الكتيّب المختصر الذي أسعى من خلاله إلى:
- إلقاء الضوء على مفهوم الموهبة وأبعادها المختلفة.
- التعريف بالإعاقة السمعية وخصائصها التربوية والنفسية.
- مناقشة التحدّيات الخاصة بالكشف عن الموهوبين من ذوي الإعاقة السمعية.
- استعراض أساليب الكشف والتشخيص الأكثر ملاءمة لهذه الفئة.
- عرض استراتيجيات عملية وأساليب تعليمية ونفسيّة لدعم الموهوبين من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية.
- تقديم نماذج وتجارب ناجحة يمكن الاستفادة منها محلياً وعالمياً.
- صياغة توصيات وسياسات عملية لدعم هذه الفئة داخل المؤسسات التربوية والمجتمع.
إن الكشف المبكر عن الموهبة لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية ودعمهم بشكل فعّال لا يعزّز فقط نموّهم الفردي، بل يُسهم أيضاً في إثراء المجتمع بعقول مبدعة وطاقات منتجة. وهذا يتفق مع التوجيهات الدينية التي تحثّ على استثمار القدرات الإنسانية، حيث قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105
الفصل الأول: الموهبة والإعاقة السمعية
- الموهبة – المفهوم والأبعاد
- تعريف الموهبة
- تعريف تربوي: الموهوب هو الطالب الذي يُظهر أداءً مرتفعاً أو استعدادًا غير عادي في مجال أو أكثر، ويحتاج إلى خدمات تعليميّة خاصة تختلف عمّا يُقدّم عادة لأقرانه (NAGC, 2022).
- تعريف نفسي: الموهبة تعني توفر قدرات عقلية أو إبداعية تتجاوز المتوسط بدرجة ملحوظة، مع إمكانية تحويل هذه القدرات إلى إنجازات ملموسة إذا ما وُفِّرَت البيئة الداعمة (Sternberg, 2019).
- تعريف إسلامي: الموهبة نعمة ربانية تستوجب الشكر والرعاية، حيث قال رسول الله ﷺ: “كلٌّ ميسَّر لما خُلق له” (متفق عليه)، إشارة إلى أن لكلّ إنسان قدرات خاصة ينبغي اكتشافها واستثمارها.
- أبعاد الموهبة
- البعد العقلي: قدرات معرفية تفوق المتوسط (ذكاء، تفكير منطقي، تعلّم سريع).
- البعد الإبداعي: قدرة على إنتاج أفكار جديدة وأصيلة.
- البعد الدافعي: مثابرة عالية ورغبة قوية في الإنجاز.
- البعد الاجتماعي/القيادي: القدرة على التأثير في الآخرين، وتحمّل المسؤولية.
- المهارات الخاصة: كالموهبة الموسيقية أو الفنية أو الحركية.
ملاحظة: الموهبة لا تظهر بنفس الشكل عند جميع الأفراد؛ قد تتجلّى في مجال أكاديمي عند أحدهم، وفي المجال الفني عند آخر.
2- الإعاقة السمعية – التعريف والأنواع
- تعريف الإعاقة السمعية
الإعاقة السمعية هي فقدان جزئي أو كلّي في القدرة على إدراك الأصوات بدرجة تؤثّر في النمو اللغوي والتواصلي للفرد. وقد تُعرّف وفق (WHO, 2023) بأنها: “فقدان سمع يتجاوز 25 ديسبل في الأذن الأفضل سماعاً”.
- أنواع فقدان السمع
- فقدان سمع توصيلي (Conductive): ناتج عن مشكلات في الأذن الخارجية أو الوسطى.
- فقدان سمع عصبي حسّي (Sensorineural): ناتج عن خلل في الأذن الداخلية أو العصب السمعي.
- فقدان سمع مختلط: يجمع بين النوعين السابقين.
- درجات فقدان السمع
- بسيط (25–40 ديسبل): صعوبة في سماع الكلام الخافت.
- متوسط (41–70 ديسبل): يحتاج الفرد إلى أجهزة مساعدة.
- شديد (71–90 ديسبل): يعتمد غالباً على قراءة الشفاه أو لغة الإشارة.
- عميق (أكثر من 90 ديسبل): صمم شبه كامل حتى مع الأجهزة.
3- الآثار المترتبة على الإعاقة السمعية
- الآثار اللغوية
- تأخّر في اكتساب اللغة المنطوقة.
- حصيلة لغوية محدودة.
- صعوبات في النطق وفهم التراكيب المعقدة.
- الآثار الأكاديمية
- ضعف في القراءة والكتابة.
- بطء في معالجة المعلومات السمعية.
- الحاجة إلى استراتيجيات بديلة للتعلم (بصرية/عملية).
- الآثار الاجتماعية والانفعالية
- صعوبة في التفاعل مع الأقران.
- احتمالية الانطواء أو العزلة.
- القلق وضعف الثقة بالنفس نتيجة صعوبات التواصل.
- الآثار الإيجابية (قدرات تعويضية)
- قوة في الانتباه البصري.
- حساسية عالية للتفاصيل الحركية والتعابير الوجهية.
- قدرة على تطوير استراتيجيات بديلة للتواصل.
4- العلاقة بين الموهبة والإعاقة السمعية
قد يظنّ البعض أن وجود إعاقة سمعية يتعارض مع الموهبة، لكن الدراسات الحديثة تثبت العكس.
- كيف تتجلّى الموهبة عند الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية؟
- تفوّق بصري ومكاني: مثل الرسم، النحت، التصميم.
- قدرات رياضية ومنطقية: القدرة على التفكير التجريدي.
- إبداع فني: موسيقى بصرية (الإيقاعات عبر الاهتزازات)، الرقص التعبيري.
- حلّ المشكلات: استخدام طرق مبتكرة للتغلب على صعوبات التواصل.
- تحديات اكتشاف الموهبة
- اعتماد الكثير من أدوات الكشف على اللغة اللفظية، ممّا قد يحجب القدرات الحقيقية.
- نقص وعي المعلمين والآباء بمؤشّرات الموهبة غير اللفظية.
- قلّة البرامج المُصمّمة خصيصاً للموهوبين ذوي الإعاقة السمعية.
– أمثلة واقعية
- توماس إديسون: مخترع أمريكي من الأشخاص ذوي ضعف السمع، لكنه أصبح من أعظم المبدعين في مجال الكهرباء والتكنولوجيا.
- مارلي ماتلن: ممثّلة أمريكية صمّاء حصلت على جائزة الأوسكار، وأثبتت أن الإعاقة السمعية لا تمنع من تحقيق التميّز الفني.
5- المنظور الإسلامي والتربوي
الإسلام ينظر إلى الإنسان باعتباره خليفة في الأرض بغضّ النظر عن قدراته الجسدية. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4.
- هذه الرؤية تحثّ على اكتشاف طاقات الأفراد كافة، ومنهم الأشخاص ذوو الإعاقة.
- الموهوب من ذوي الإعاقة السمعية له حقّ مضاعف في الرعاية: من باب حفظ الكرامة الإنسانية، ومن باب استثمار الطاقات لتقدّم المجتمع.
6- استنتاجات الفصل الأول
- الموهبة والإعاقة السمعية لا تتعارضان، بل يمكن أن تتكاملا.
- الموهبة قد تظهر في صور مختلفة عند الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، خصوصاً في المجالات البصرية والإبداعية.
- الصعوبة الأساسية تكمن في الكشف بسبب الاعتماد على أدوات تقليدية لغوية.
- يجب النظر للموهبة من زاوية شمولية تأخذ في الاعتبار القدرات غير اللفظية والمهارات التعويضية.
- البيئة الداعمة والتشخيص المبكر عنصران حاسمان لتمكين الموهوبين من ذوي الإعاقة السمعية.
يتبع في العدد القادم
قائمة المراجع
- فاروق الروسان، محمد وليد البطش،يوسف قطامي(2009).دليل مقياس الكشف عن الموهوبين في مرحلة ما قبل المدرسة ، الرياض ، دار الزهراء .
- عادل عبدالله محمد(2006).قوائم جاردنر لتقييم مواهب الأطفال في سن المدرسة ، القاهرة ، دار الرشاد .
- Alnahdi, G. H. (2020). Gifted education for students with hearing impairments: Approaches and strategies. Journal of Special Education, 34(2), 45–60.
- Marschark, M., & Hauser, P. C. (2012). How deaf children learn: What parents and teachers need to know. Oxford University Press.
- Marschark, M., & Spencer, P. (2017). Advances in the education of deaf and hard-of-hearing children. Oxford University Press.
- Shammari, S. (2019). Supporting gifted children with hearing impairments: A practical approach. Arab Journal of Special Education, 11(1), 55–72.
- Torrance, E. P. (1974). Torrance Tests of Creative Thinking. Scholastic Testing Service.
- Betts, G. T. (2009). Gifted education: Strategies for teaching children with exceptional abilities. Prentice Hall.
- Renzulli, J. S. (2012). The three-ring conception of giftedness: A developmental model for promoting creative productivity. Harvard Educational Review, 42(4), 439–464.
- Hallahan, D. P., Kauffman, J. M., & Pullen, P. C. (2018). Exceptional learners: An introduction to special education. Pearson.
- Henderson, S. (2015). Technology and teaching strategies for deaf and hard-of-hearing students. Routledge.
- National Center for Gifted Education for the Deaf and Hard of Hearing (NCGEDH) (2020). Program guidelines and best practices.