أخبار
حين تُرى الكرة بالسمع واللمس

تجربة حضور الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في كأس الأمم الإفريقية – المغرب 2025
إعداد هشام محمد كتامي
شهدت كأس الأمم الإفريقية 2025 التي نُظّمت في المملكة المغربية خطوات مهمة نحو تعزيز التجربة الجماهيرية للمشجّعين ذوي الإعاقة البصرية، في إطار جهود أكبر لتطوير الوصول والشمول خلال الفعاليات الرياضية الكبرى. ويأتي ذلك ضمن توجّه الدولة لإتاحة سهولة الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة ومن منطلق الرياضة للجميع . فلم تقتصر الاستضافة على البعد الرياضي والتنظيمي فحسب، بل حملت معها رسائل إنسانية وحضارية، حيث مكّنت الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية من متابعة المباريات لحظة بلحظة، والعيش في قلب الحدث.
وتُعتبر هذه التجربة غير مسبوقة، حيث تحوّلت مدرجات البطولة إلى منصةٍ حقيقية ، أكّدت أن متعة كرة القدم ليست حِكراً على فئة دون أخرى، وقد بادر المنظمون إلى توفير وسائل مبتكرة مكّنت الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية من متابعة تفاصيل المباريات لحظة بلحظة، مع توزيع لوحات لمسية متطورة على عدد من المشجعين المكفوفين، إلى جانب نظام تعليق صوتي احترافي ينقل مجريات اللعب في الزمن الحقيقي، تحركات اللاعبين، مسار الكرة، التمريرات، المراوغات، مواقع اللعب، الإيقاع التكتيكي، إضافة إلى وصف الأجواء المحيطة بالمباراة، من تفاعل الجماهير إلى الاحتفالات والتبديلات والإصابات وصولاً إلى الفرص والتسديدات.
هذه التقنية أتاحت للمستفيدين الإحساس بإيقاع المباراة وفهم تفاصيلها الدقيقة، في تجربة اعتُبرت الأولى من نوعها على مستوى الملاعب الإفريقية، وعكست توجهاً واضحاً نحو جعل كرة القدم لعبة جامعة لكل الفئات.
ولاقت المبادرة إشادة واسعة، باعتبارها خطوة عملية لترسيخ مفهوم الشمول داخل البطولات الكبرى، ومنح المكفوفين حقّهم الكامل في عيش أجواء المنافسات الكروية. وبهذا الأسلوب، تتحوّل المباراة إلى تجربةٍ سمعية كاملة، تسمح للمكفوفين بتكوين صورة ذهنية متكاملة عن مجريات اللعب، وتتجاوز الوصف التقليدي للنتيجة أو الأهداف
وفي سابقة من نوعها تمّ تحقيق حلم ونداء الطفل المغربي “سليمان”، وهو من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وعاشق لكرة القدم، بحضور المباراة النهائية بعد نداء عبر فيديو على انستغرام، حيث ظهر في مقطع فيديو مرتدياً قميص منتخب المغربي والرقم 10 الخاص بنجم البطولة إبراهيم دياز، يعرب من خلاله عن رغبته في حضور نهائي كأس الأمم الأفريقية بين منتخب بلاده المغرب ومنتخب السنغال ، ليتلقّى بعدها بعدة ساعات دعوة خاصة من خلال الجهات الخيرية التي حققت له أمنيته بحضور المباراة وتشجيع منتخب بلاده، مع توفير أجهزة لوحية تعمل باللمس تمكّنه من متابعة مجريات المباراة بكلّ يُسر، حسبما أفادت جريدة البيان.
تكنولوجيا الصوت والوصف التفصيلي
أطلقت اللجنة المنظمة بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) نظاماً مبتكراً لوصف المباريات صوتياً، يقدّم تعليقات وصفية دقيقة لحركة اللاعبين، الكرة، والأحداث داخل المباراة، وذلك عبر سمّاعات مخصّصة داخل الملاعب. تتيح هذه التقنية للحضور من ذوي الإعاقة البصرية متابعة المباراة بشكل حيّ وفوري والاستمتاع بالتفاصيل التي لا يمكن مشاهدتها بالعين.
أجهزة لمسية وتفاعل مع الكرة
في تطوير غير مسبوق، تم إدخال أجهزة لوحيّة حسّية (tactile tablets) تساعد المشجعين ذوي الإعاقة البصرية على الإحساس بحركة الكرة على أرض الملعب عبر تكنولوجيا اهتزاز واستجابة لمسيّة، إلى جانب التعليقات الصوتية. وقد جرت تجربتها في بعض مباريات دور المجموعات لتقديم تجربة شبه “بصرية” من حيث التفاعل مع أحداث المباراة.
تذاكر وإمكانيات حضور ميسّرة
ضمن استعدادات البطولة، أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عن إدراج فئات مخصّصة من التذاكر للأشخاص ذوي الإعاقة، تسمح لهم بحضور المباريات بصحبة مرافقين، مع توفير مناطق جلوس مناسبة، ومسارات دخول خاصة، وخدمات دعم لتسهيل تجربة الحضور داخل الملاعب.
تحسينات في البنية التحتية للملاعب
إضافة إلى التكنولوجيا، شهدت الملاعب المستضيفة في المغرب تعديلات في البنية التحتية من بينها:
- مصاعد تربط المواقف والممرات.
- ممرات داخلية واضحة وبعلامات تسهّل التنقّل.
- مناطق جلوس مخصّصة وبقرب مرافق مع مراعاة الراحة والسلامة.
- دورات مياه، وواجهات صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة.
تقييم التجربة وحقيقتها على الأرض
رغم هذه المبادرات المشجّعة، أشارت تقارير بعض المصادر إلى أن الاستخدام الفعلي للتقنيات الحسّية لم يكن واسعاً، حيث توفّرت هذه الأجهزة فقط في قليل من مباريات دور المجموعات ولم تُقدَّم في النهائي، ما أثار تساؤلات حول مدى الشمول الحقيقي للتجربة مقابل التغطية الإعلامية لها.
الأثر والمردود المجتمعي
تبقى هذه الخطوات علامات فارقة في تاريخ كرة القدم الإفريقية فيما يتعلق بالوصول للأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تمثّل:
- تقدّماً في توفير فرص حضور ومشاركة حقيقية في الأحداث الرياضية الكبرى.
- نموذجاً يُحتذى به في دمج التكنولوجيا والرياضة لتوسيع إمكانية الوصول.
- دعوة لمزيد من التطوير في السنوات المقبلة لتشمل كل المباريات وكل المشجعين المحتاجين للدعم.
ختاماً
لقد شكّلت بطولة كأس إفريقيا 2025 في “المغرب” تجربة واعدة في دمج الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في الملاعب من خلال تقنيّات وصف صوتي ولوحات لمسيّة، وتذاكر ميسّرة ودعم بنيوي في الملاعب، رغم تحديات في التطبيق العملي على نطاق أوسع. وتفتح هذه التجربة الباب أمام تطوير وتحسين أكبر في البطولات القادمة ليحظى الجميع بمتعة الرياضة دون حواجز.
ويرى متابعون أن المغرب وفّر بيئة مثالية لتطوير هذا المشروع، بفضل جاهزية ملاعبه، وكفاءة أطره التنظيمية، والالتزام الواضح بجعل «كان 2025» بطولة شاملة لا تُقصي أي فئة من متعة المتابعة.
وتعكس هذه الخطوة تحوّلاً أعمق في فلسفة تنظيم التظاهرات الرياضيّة، حيث لم تعد كرة القدم مجرّد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل فضاءً للدمج المجتمعي ، وتكريس الحق في الولوج إلى الثقافة والترفيه، دون تمييز.
المراجع العربية
المراجع الأجنبية