أخبار
معالجة الجنوح…

منذ أن خُلق الإنسان وهو يخوض رحلة بحث عن التوازن. فقلبه يتأرجح بين نزعتين: نزعة تدفعه إلى المبالغة في التشدّد حتى يغدو الدين ثِقلاً ينوء بحمله، وأخرى تدفعه إلى الاستهتار واللامبالاة حتى يذوب في الملذّات ويهدر رسالته. وفي خضمّ هذا المدّ والجزر، جاءت كلمة الله الخالدة لترسم خطًّا فاصلاً: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾(البقرة: 143). ليست هذه الآية مجرد نصٍّ من كتاب الله، بل هي مبدأ حياة، ونظرية كاملة في بناء الفرد والمجتمع.
ولذلك، حين نتأمل ظاهرة الجنوح والتطرف في حياة الناس، نجدها ليست مجرد سلوك عارض، بل جرحًا غائرًا في الفكر والشعور، ممتدًّا بجذوره في العقل والقلب والبيئة. فمن الناس من يتورّط في غلوٍّ يظن معه أن الطريق إلى الله لا يُسلك إلا بالمشقّة المفرطة، ومنهم من ينحرف إلى التسيّب فيرى الحرية انفلاتًا من كل قيد. وكلا الطرفين وقع في فخّ الانحراف عن صراط الله المستقيم.
جذور فكرية متشابكة
أول ما يلاحظه الباحث في هذه الظاهرة أن وراءها قصورًا في الفهم. فكثيرون يتمسّكون بظاهر النصوص فيرهقون أنفسهم والناس، دون تأملٍ في مقاصدها الكبرى. وقد قال ابن القيم: “ما عُبد الله بمثل العلم”[1]. فإذا غاب العلم، حضر الغلو أو التسيّب.
وهنا نفهم تنبيه الشافعي حين قال: “من تعلّم علمًا بلا فقه كان كمن ركب البحر بلا سفينة”[2]. وليس الأمر مقتصرًا على الجهل وحده؛ فالعالم اليوم يموج بأفكار دخيلة: تيارات تقدّس العنف باسم الدين، وأخرى ترفع شعار التحرر المنفلت باسم الحرية. وكلها تشترك في كونها بعيدة عن جوهر الوسطية التي بُعث بها النبي ﷺ رحمةً للعالمين.
عوالم النفس المضطربة
ومهما كان الفكر مؤثرًا، فإن النفس لها لغتها الخفية. فالذي يشعر بنقص داخلي، أو بحرمان عاطفي، أو بعدم اعتراف المجتمع بقيمته، قد يبحث عن تعويضٍ وهمي: إمّا بانتماء متطرّف يمنحه شعورًا زائفًا بالبطولة، أو بانغماسٍ في التفاهة يمنحه إحساسًا وهميًّا بالحرية.
ويقول ابن القيم في هذا المعنى: “القلب إذا خلا من محبة الله ابتُلي بمحبة المخلوق”[3]. فالنفس لا تُترك فارغة؛ فإن لم تُملأ بالحق امتلأت بالباطل.
ومن يتأمل قصص الشباب المنزلقين إلى الغلو أو التفريط، يجد كثيرًا منهم قد عاشوا صدمات مبكرة: ظلمًا، أو عنفًا أسريًّا، أو فقدًا، أو شعورًا بالقهر، فتحوّل الألم الداخلي إلى طاقة هوجاء: إمّا انتقامًا متشدّدًا، أو انسحابًا متسيّبًا[4].
أثر المجتمع والبيئة
ثم يأتي دور المجتمع: فالتربية الأسرية المتشدّدة تُنبت غلوًّا، والأسرة المتساهلة تُنبت تفريطًا. والبيئة التعليمية إذا خلت من مهارات التفكير النقدي، صنعت أجيالاً سهلة الانقياد للشعارات المتطرفة. والإعلام حين يغلب عليه خطاب التفاهة أو الكراهية يصبح مصنعًا لإنتاج النفوس الجانحة.
وفوق ذلك كله، يبقى الظلم الاجتماعي والسياسي وقودًا للتطرف. فما إن يشعر الناس بالمهانة وغياب العدالة حتى يميلوا إلى الانحراف عن الاعتدال. وقد قال ابن تيمية كلمته البليغة: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة”[5]. فالعدل صمام الأمان، والظلم باب كل انحراف.
نظرية الإسلام في التوازن
في هذا السياق يتجلّى جمال الإسلام؛ فهو لم يترك الإنسان حائرًا بين الأطراف، بل وضع نظرية واضحة: الوسطية. فالآية العمدة: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾(البقرة: 143)، تجعل الأمة خيارًا عدلاً، شاهدة على الناس.
والوسطية ليست لفظًا، بل شبكة توازنات دقيقة:
– بين الدنيا والآخرة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(القصص: 77).
– بين الحقوق والواجبات، كما قال ﷺ: “إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه” (صحيح البخاري).
– بين العبادة والعمل، إذ قال ﷺ: “لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” (صحيح البخاري).
– بين الشدة والرحمة، كما لخّص الغزالي: “الشدة في غير موضعها قسوة، واللين في غير موضعه ضعف، وإنما الكمال الاعتدال”[6]. هذه هي نظرية الإسلام في التوازن: أن يعيش الإنسان بكل قواه، دون أن تبتلعه شهوة ولا أن يعصره غلو.
مسارات المعالجة التربوية
إذًا، كيف نواجه الجنوح في واقعنا؟
1- بالعقل: غرس معنى الوسطية في التعليم، وتحرير الخطاب الديني من لغة العنف أو التسيّب، وتعليم التفكير النقدي ليكون الشباب في مأمن من الشعارات المتطرفة.
2- بالقلب: معالجة الفراغ النفسي بالحب الإلهي، وتربية النفس على الصبر وضبط الانفعال، وتثبيت الإنسان بوصفه خليفة لله في الأرض.
3- بالمجتمع: إعادة التوازن إلى الأسرة بين الحزم والرحمة، وتحقيق العدالة في الحقوق والفرص، وتوفير بدائل تربوية وثقافية تشبع طاقات الشباب في الفن والرياضة والعلم.
خطوات عملية
ولأن التربية لا تكتمل بالنظريات وحدها، فلا بد من خطوات عملية، منها:
– إدخال برامج تعليمية تُعنى بالوسطية والتوازن.
– فتح مجالس حوار بين العلماء والشباب.
– إنشاء مراكز للدعم النفسي والروحي.
– إحياء القدوات الواقعية التي تجسّد التوازن سلوكًا قبل أن يكون قولاً.
خاتمة
وهكذا نرى أن النفس إذا تُركت دون تهذيب تاهت بين نار الغلوّ وجليد التفريط، وكلاهما مهلكة. وحده طريق الوسطية هو النهر الجاري الذي يمنح الحياة. والإسلام لم يأتِ ليكبت طاقات النفس، بل جاء ليهذّبها حتى تُثمر.
وما أجمل قول فريد الأنصاري: “الاعتدال في الدين سرّ العمران، فإذا غاب الاعتدال سقطت الأمة بين فكي الغلوّ والانحلال”[7]. إنها كلمة جامعة تؤكد أن الاعتدال ليس خيارًا ثانويًّا، بل شرط بقاء الإنسان والأمة معًا.
الهوامش والمراجع
[1] ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتب العلمية، ج2، ص114.
[2] الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد شاكر، ص20.
[3] ابن القيم، إغاثة اللهفان، دار المعرفة، ج1، ص87.
[4] عبد الكريم بكار، تكوين المفكر، دار القلم، ص52.
[5] ابن تيمية، السياسة الشرعية، تحقيق محمد عبد القادر، ص20.
[6] الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، ج3، ص40.
[7] فريد الأنصاري، الفطرية، دار السلام، ص88.