أخبار
الجبال عجائب…

الجبال.. مظهر من مظاهر قدرة الخالق
هي رمز القوة والشموخ؛ يبلغ ارتفاع بعضها آلاف الأمتار، وتبلغ ضخامتها ما يجعل أضخم الحيوانات التي تدب على الأرض تبدو تحت سفوحها كأنها شيء ضئيل. إنها مظهر فريد من مظاهر قدرة الخالق عز وجل، نظّمها وأقامها بميزان دقيق يحفظ توازن الأرض، ويشهد في الوقت نفسه بوجود الموجود الأعلى، ليدرك العقلاء من أهل المادة أن فوق كل ذي علم عليم. ونتعرف عبر هذه السطور على الجبال، وما تحويه من أسرار كونية وكنوز طبيعية لم يكتشف العلم الحديث سوى بعض منها في وقت قريب.
الجبال وتوازن الأرض
للجبال وظيفة أساسية، هي أن تمنع الأرض من أن تميد أو تضطرب، ولقد تعددت آيات القرآن الكريم التي ذكرت هذه الوظيفة الأساسية للجبال، كما في قول الخالق عز وجل: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾(فصلت: 10)، و﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾(المرسلات: 27)، و﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾(الحجر: 19)، و﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾(النبأ: 6-7). فهذه الآيات الكريمة أكدت أن الجبال هي التي تحفظ توازن الأرض، وهي بمثابة الأوتاد التي تمنع الأرض من أن تميد أو تضطرب، وهذا الأمر، إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الأرض لم تكن مستقرة في بدايتها قبل إرساء الجبال عليها، وهذا ما أكدته الأبحاث الجيولوجية، حيث كشفت أن للجبال امتدادات عظيمة الشأن تحت قشرة الأرض.
ولقد ثبت من الدراسات الجيولوجية أن متوسط جذور الجبال في كتلة الأرض يبلغ بين 10 و15 مثلاً من ارتفاعاتها البارزة فوق السطح، حيث وُجد أن سمك القشرة الأرضية تحت القارات نحو خمسة كيلومترات، أما سمكها تحت الجبال فيصل إلى خمسة وثلاثين كيلومترًا، وبهذا العمق تتخذ الجبال شكل الأوتاد الراسخة في العمق، وهو ما يعرفه علماء الجيولوجيا باسم «التوازن الإيزوستاسي». ولولا جذور هذه الجبال المنغرسة في طبقات السيما، لطفت القشرة الأرضية وانعدم توازنها وثباتها فوق الطبقة التحتية السائلة المنصهرة. ونظرة مدققة إلى أطلس القارات توضح أن حكمة الله تتجلى في توزيع الجبال على القارات كلها، حتى لا تميد الأرض، ونحن نرى قمم هذه الجبال.
ومن حكمة الخالق عز وجل أنه يقابل هذه الأثقال على القشرة الأرضية أحمال أخرى من الماء في المحيطات والبحار، وتتجلى الحكمة هنا في جعلها أكثر غورًا في القشرة الأرضية؛ لأن كثافة الماء أقل كثيرًا من اليابسة، لكي تتوازن أحمال الماء مع أحمال الجبال، وبهذا التوازن بين أوزان الجبال وأحمال الماء انتظمت سرعة دوران الأرض حول محورها، وبالتالي انتظم إيقاع اختلاف الليل والنهار حسب اختلاف الفصول، وهذه الحقائق عن الجبال ووظيفتها في تثبيت قشرة الأرض لم يتوصل إليها العلماء إلا في عام 1956م.
تكوين الجبال
يرى العلماء أن تكوين الجبال تم بعدة طرق، منها:
1ـ بفعل حركات باطنية، كالجبال الانكسارية أو الالتوائية.
2ـ كما أن هناك نوعًا منها تكوّن بفعل النحت، الذي كان له دور كبير في تكوينها، حيث تقاوم الصخور الأكثر صلابة عوامل التآكل والتجوية (العوامل المناخية) والتعرية، بينما تنصاع الصخور الهشة المجاورة لها، متهاويةً ومتآكلةً.
3ـ وقد يكون نشوء وتكوين الجبال بفعل عوامل بركانية أو تراكمية، وهي الأخرى تبدو منعزلة، ولا توجد في شكل تجمعات أو سلاسل بركانية.
أشهر هذه الجبال
تعد الجبال الملتوية أو الالتوائية الحديثة من أشهر هذه الجبال، ويرى علماء الجيولوجيا أن هذا النوع من الجبال يمثل مناطق من القشرة تكونت من طبقات رسوبية مضغوطة بفعل زحف الكتل القديمة على البحار التي كانت مملوءة بهذه الرواسب، الأمر الذي جعلها ترتفع ملتوية على سطح الأرض.
وعوامل التعرية التي سخرها الخالق عز وجل شقت فيها سبلاً فجاجًا وممرات وأودية، وفجرت فيها أنهارًا، مثل جبال الألب في أوروبا، التي تقطعها ممرات توجد بين مرتفعات يصل ارتفاعها في بعض الأماكن إلى أكثر من عشرة آلاف قدم، وهناك ممرات بين مرتفعات تبلغ ضعف ذلك. وقد عبر الإنسان، في انتشاره على سطح الأرض، هذه الممرات وسلكها، وتسلكها الآن سبل المواصلات المختلفة، وصدق الحق عز وجل إذ يقول: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾(الأنبياء: 31).
الجبال ومنفعة الإنسان
والجبال كنوز من الثروات الطبيعية لمنفعة الإنسان، وهذه المنفعة ناتجة عن اختلاف أشكالها، وتباين ضروبها، وتنوع أصنافها، وتفنن أحجارها. فالجبال صخرية لكونها غنية برواسب النحاس، وصخور الكبريتيد، وخامات الزنك، والفضة، والذهب، والرصاص، والجبس، والفوسفات، والمنجنيز، والنيكل، والقصدير، والفحم، وغير ذلك من المعادن التي يستخدمها الإنسان في الصناعات المختلفة، وتعود عليه بالنفع والفائدة.
أما الجبال هشة السطح والمغطاة بوشاح ناعم الحبيبات، فهذه تُستغل في الزراعة والرعي، حيث تُستغل سفوحها ومدرجاتها في العديد من دول العالم التي بنت عليها اقتصاديات كبيرة.
وكون الجبال شامخة، فهي تصيد المطر وتجمع الثلوج، حيث يقول العلماء: إن الكتل الهوائية تضطر إلى الارتفاع إذا قابلتها تضاريس مرتفعة، كسلاسل الجبال أو حافات الهضاب، وهذا الارتفاع يؤدي إلى تكاثف بخار الماء الذي تحمله، في شكل مطر فوق السفوح المواجهة لخط سير الكتلة الهوائية.
فهذه صور ونماذج لتسخير الجبال لمنفعة الإنسان؛ ففيها الاحتياطي العظيم من المعادن، وعلى سفوحها قطع من سندس أخضر، وفوق مرتفعاتها تتهاطل الأمطار ويرقد الجليد.
للجبال ألوان
ومن عجائب صنع الخالق عز وجل أن للجبال ألوانًا وأشكالاً مختلفة، وقد تأمل العلماء هذا التنوع في ألوان الصخور الجبلية، وأدركوا أن وراء هذا التنوع في الألوان أسرارًا تكمن في النسيج الصخري وتركيبه المعدني، ونسبة هذا التركيب المعدني ومدى قابليته للاتحاد مع الأكسجين.
وذكروا أن اللون الأبيض وراءه تغلُّب نسبة الجير والأملاح على النسيج الصخري، واللون الأسود وراءه تغلُّب نسبة أكسيد الحديد على النسيج الصخري، أو وراءه تغلُّب نسبة الرماد البركاني على النسيج الصخري. وهذه الألوان الصخرية الجبلية تشير إلى التميز بين أنواع هذه الصخور الأرضية؛ فوجود الأكسجين يكسب الصخور التي يدخل في تركيبها صفة الأكسدة، فالحديد المؤكسد يصبغها باللون الأحمر، والصخور البيضاء هي الجيرية والملحية في السبخات، وكذلك قلانس الجليد فوق قمم الجبال عند خط الاستواء وفوق السهول في المناطق الباردة والقطبية.
وهذه الألوان الصخرية ذات صلة وثيقة بالقشرة الأرضية، التي تتغير عبر آلاف وملايين السنين، ولهذا السبب تتغير ألوان الجبال. وقد دعانا القرآن الكريم إلى التأمل في أسباب هذا الاختلاف في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾(فاطر: 27). والجدد هي الطرق في الجبال التي تتعرى لتصبح بيضاء أو حمراء اللون أو سوداء مثل الغربان، وهذا ما أكده علماء الجيولوجيا، بأن عوامل التعرية أو التجوية، التي تتراوح بين الأمطار والرياح والشمس، تقوم بتعرية أجزاء من الجبال وتكشف ألوانها بعد أكسدتها، فتظهر مسالك وطرق ودروب بين طبقاتها لها أشكال مختلفة.
تسبيح الجبال
ولا ننسى أن نشير في النهاية إلى أن الجبال خلق من خلق الله عز وجل، تسبح بحمده وتشكر فضله، وذلك من عجائب القدرة الإلهية. وقد ورد ذلك في أكثر من موضع من آيات القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾(الأنبياء: 79)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾(ص: 18)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾(سبأ: 10).
ويظهر تسبيح الجبال واضحًا في قوله تعالى: «أَوِّبِي مَعَهُ»، أي رَدِّدي معه، لندرك الحقيقة الكبرى بأن كل ما في الكون يسبح بحمد الله، ويسبح بعظمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾(الإسراء: 44).
المصادر
- الجبال أوتاد الأرض ورواسيها، محمد الطيب عربي، مجلة الضياء الإماراتية، عدد أكتوبر ـ نوفمبر عام 1994م.
- فصل المقال في حركة الجبال، د. كارم السيد غنيم، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 406، أكتوبر عام 1999م.
- الجبال بين علم التكتونية والشريعة الإسلامية، د. رضا عبد الحكيم إسماعيل، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 395، نوفمبر عام 1998م.
- الجبال كيف تمر مر السحاب، سعد شعبان، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 508، ديسمبر عام 2007م.
(*) كاتب وباحث مصري.