أخبار
الأمن المجتمعي…

يُعد الأمن المجتمعيّ أحد أهمّ الركائز التي تقوم عليها نهضة الأمم واستقرارها؛ فهو الإطار الذي يحفظ للأفراد حقوقهم، ويصون للمجتمع توازنه وانسجامه. وتتداخل في بنائه مجموعةٌ من المقوّمات التي تشمل: الوعي، والقيم، والعدالة، والتكافل، وسيادة القانون، إضافةً إلى مؤسّسات فاعلة تدعم الاستقرار وتُعزّز الثقة المجتمعيّة.
كما يتطلّب الأمن المجتمعيّ متطلّبات عمليّة تسهم في تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، وتنمّي روح المسؤولية المشتركة، وعندما تجتمع هذه العناصر تُصبح المجتمعات أكثر قدرةً على مواجهة التحدّيات وبناء مستقبل آمن ومزدهر.
المعنى اللغوي والاصطلاحي للأمن المجتمعي
1- الأمن لغة: بتسكين الميم وفتحها وكسرها، مصدره: أمِنَ يأمَن فهو آمن، والأمان ضدّ الخوف(1). فالأمن لغة يعني الطمأنينة والاطمئنان بعدم توقّع مكروه في الزمن الحاضر والآتي، وضدّه الخوف الذي يعني الفزع وفقدان الاطمئنان.
2- المجتمعي لغة: مشتقّ من الفعل جمع، وهو عكس كلمة فرق، ومشتقّ على وزن مفتعل، ويقال: فلاة مجتمعة، يجتمع الناس فيها ولا يتفرّقون خوف الضلال(2). والمعنى المقصود بهذه الكلمة هو: جماعة الناس، أي فئة من الناس تُشكّل مجموعة تعتمد على بعضها بعضًا.
3- الأمن اصطلاحًا: ورد لفظ الأمن ومشتقّاته في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقد جاء لفظ الأمن بمعنى الأمانة، قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ…}[آل عمران: 75].
وجاء لفظ الأمن بمعنى نقيض الخوف والرّهبة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}[الأنعام: 82].
كما جاء بمعنى المكان الآمن، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا…}[البقرة: 125].
وقد تناول العلماء مصطلح الأمن بالتعريف والتحديد، فعرفه الشيخ عبد الستار الهيتي بأنه: «مجمل الإجراءات الأمنية التي تُتخذ لحفظ أسرار الدولة، وتأمين أفرادها ومنشآتها ومصالحها الحيوية، ويعني الطمأنينة والهدوء والقدرة على مواجهة الأحداث والطوارئ دون اضطراب»(3).
وعرّفه الدكتور محمد عمارة بقوله: «هو الطمأنينة المقابلة للخوف والفزع والرَّوع في عالم الفرد والجماعة، وفي الحواضر ومواطن العمران، وفي السبل والطرق، وفي العلاقات والمعاملات، وفي الدنيا والآخرة جميعًا»(4).
وجاء تعريف الأمن في الموسوعة الفقهية الكويتية على النحو الآتي: «ما به يطمئن الناس على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ويتجه تفكيرهم إلى ما يرفع شأن مجتمعهم وينهض بأمتهم»(5).
ومن خلال العرض السابق لتعريفات العلماء لمصطلح الأمن، نلحظ تقاربًا كبيرًا بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ويُعد تعريف الموسوعة الفقهية الكويتية تعريفًا جامعًا مانعًا، عبّر عن المحاور المشار إليها بأقل الألفاظ وأوجز العبارات.
4- المجتمع اصطلاحًا:
المجتمع هو مجموعة من الناس تجمعهم مصالح مشتركة وروابط اجتماعية، وتحكمهم أنظمة تضبط سلوكهم ضمن مكان معيّن.
وعليه يمكن تعريف الأمن المجتمعي، بوصفه مركّبًا إضافيًّا من كلمتين، بأنه: «الطمأنينة التي تنفي الخوف والفزع عن الإنسان، فردًا أو جماعة، وهو محصلة جميع الإجراءات التي تؤكّد حماية الأفراد والمجتمع، انطلاقًا من اعتبار أن أمن الأفراد جزء من أمن المجتمع، وفي ظله يعيش الفرد حياة اجتماعية آمنة، مطمئنًّا على نفسه ورزقه ومكان عيشه».
وبالنتيجة، فإن مفهوم الأمن ظاهرة ملازمة للوجود الإنساني، وهو من المفاهيم الجوهرية في الإسلام.
التأصيل الشرعي للأمن المجتمعي
ورد مصطلح الأمن ومشتقّاته في مواضع متعددة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بصيغ مختلفة، مما يدل على عظم أهميته وضرورة وجوده؛ لينعم المجتمع الإسلامي بالسعادة والرفاهية. ويتضح التأصيل الشرعي للأمن المجتمعي فيما يأتي:
أولاً: الأمن المجتمعي ضرورة حياتية وشرعية
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا…}[البقرة: 126].
وقال تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}[آل عمران: 97].
ونصّت وثيقة المدينة على: «من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جارٌ لمن برّ واتقى»(6).
وقال ﷺ يوم فتح مكة: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»(7).
وجه الدلالة: كان أول مطلب للنبي إبراهيم عليه السلام هو نعمة الأمن، وقد جعل الله الأمن من خصائص البيت الحرام، فالأمن أساس انتظام حياة الناس ومنطلق التنمية المجتمعية، وهو ضرورة حياتية وشرعية لا غنى عنها.
ثانيًا: تعظيم نعمة الأمن
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ… وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}[النور: 55].
وقال تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}[قريش: 4].
وجه الدلالة: جعل الله الأمن من أعظم النعم، وقرنه بالعبادة والاستقرار، مما يدل على أثره العظيم في تحقيق السعادة الفردية والمجتمعية.
ثالثًا: الأمن دليل الإنتاج والحضارة والتقدم المجتمعي
قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً…}[النحل: 112].
وجه الدلالة: يبين النص القرآني أن الأمن أساس الرخاء والازدهار، وأن الخوف والاضطراب مؤشرات تراجع وفقدان ثقة.
رابعًا: المحافظة على مقومات الأمن المجتمعي
قال تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ…}[المائدة: 32]. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ…}[النور: 19].
وجه الدلالة: حفظت الشريعة النفس والعقل والمال والعرض، ومنعت نشر الشائعات، وأسست لمنظومة متكاملة تحقق الأمن الاجتماعي وتحمي المجتمع من التفكك والانهيار.
خصائص ومتطلبات تحقيق الأمن المجتمعي
أصبح الأمن المجتمعي مادة علمية ذات قيمة إنسانية وحضارية، تناولها المفكرون والمتخصصون في كتاباتهم ومؤتمراتهم، ولم يخلُ مجتمع من الدعوة إلى توفيره.
وقد سبق علماء الإسلام إلى ترسيخ هذا المفهوم، حيث حدّد الماوردي قواعد صلاح الدنيا بستة أمور، منها الأمن العام، فقال: «دين متّبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح»(8).
ويسهم الأمن المجتمعي في حماية الأفراد والممتلكات، وتعزيز الثقة، وتشجيع التنمية، وتحقيق الاستقرار العام.
غير أن واقع الأمن المجتمعي اليوم يواجه تحديات متعددة، منها: ارتفاع معدلات الجريمة، والفقر، وعدم المساواة، وتردي الأوضاع المعيشية، إضافة إلى تهديدات الأمن الرقمي وجرائم الإنترنت.
ولتعزيز الأمن المجتمعي، ينبغي التركيز على الوقاية، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وتطوير استراتيجيات استباقية فاعلة.
خاتمة
إن الأمن المجتمعي ليس مجرد نظام تنظيمي، بل ثقافة متجذّرة تُبنى بتكامل جهود الأفراد والمؤسسات، وكلما تعززت أسسه، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة المخاطر وصناعة الاستقرار. وهكذا يغدو الأمن المجتمعي مشروعًا مستمرًّا يُصان بالوعي، ويزدهر بالثقة، ويثمر سلامًا يهيّئ للأجيال بيئة آمنة ونموًّا متوازنًا في مختلف مجالات الحياة.
الهوامش:
1- أبو عبد الله، محمد بن ابي بكر الرازي، مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، بيروت، المكتبة العصرية، الطبعة الخامسة، 1420هـ/1999م، الصفحة: 23 ـ
2- أبو الحسين، أحمد بن فارس القزويني، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، 1399هــ/1979م،الجزء: 1، الصفحة: 480.
3- عبد الستار الهيتي، مسؤولية الأفراد والأجهزة الحكومية في تحقيق الأمن الاجتماعي، ورقة عمل مقدمة لمؤتمر ” الأمن الاجتماعي تحديات وتطلعات ” المنعقد في البحرين لعام: 1428هــ/2007م، الصفحة: 4.
4- محمد عمارة، الإسلام والأمن الإجتماعي، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1418هــ/1998م، الصفحة: 11.
5- مجموعة من المؤلفين في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، القاهرة، دار السلاسل، الطبعة الثانية، 1404هــ/1427م، الجزء: 6، الصفحة: 271 .
6- أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الأولى، 1395هـ/1976م ، الجزء: 2، الصفحة: 323.
7- أبو عبد الله، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، القاهرة، دار الرسالة، الطبعة الأولى،1421هـ/2001م، رقم الحديث: 7921، الجزء: 13، الصفحة: 299. قال المحقق: إسناده صحيح على شرط مسلم.
8- أبو الحسن، علي بن محمد البغدادي، الشهير بالماوردي، أدب الدنيا والدين، بيروت، دار الحياة، الطبعة الثانية، 1407هــ/ 1987م الصفحة: 133.