أخبار
العقل والعلم…

خلق الله الإنسان وكرّمه بنعمة العقل، وجعلها مناط التكليف، ومفتاح الفهم والإدراك؛ ولأن العقل البشري بطبعه شغوف باكتشاف الحقيقة، فقد ظهر العلم والمعرفة كأداة رئيسية لتنوير البشرية، وإخراجها من ظلمات الجهل إلى نور الحقيقة.
ويُعد العقل الجوهر الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات؛ فهو الأداة التي يتأمل بها الكون، ويحلل بها الظواهر، ويوازن بين المصالح والمفاسد. وكما قيل: فإن العقل بلا علم كالأرض الموات التي لا تنبت شيئًا؛ فهو يحتاج إلى المادة الخام ليشتغل عليها.
والعلم هو النور الذي يهتدي به العقل المنظم والمستند إلى التجربة والدليل، وهو سلاح لا يفنى، يمنح الفرد الاستنارة العقلية، ويُخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ليضبط حركة المجتمع، ويمنع تخبُّطه في الظنون والأوهام.
والمعرفة هي المدى الواسع الذي يتحقق فيه الفهم العميق والقدرة على تطبيق الحقائق؛ فبينما قد يكون العلم جمعًا للأخبار وحفظًا لها، فإن المعرفة تتجاوز ذلك إلى الإدراك والوعي العلمي بفضائل الأمور وعظيم القيم، لتصبح جسرًا يصل الفكر بالواقع.
ولذلك لا يمكن لأحد هذه العناصر أن يستغني عن الآخر؛ فالعقل هو القائد والموجِّه، والعلم هو المنهج والأداة، والمعرفة هي الغاية والثمرة المجردة.
وإذا تجرّد العلم عن العقل والأخلاق، تحوّل إلى أداة تدمير وخراب، بدلاً من أن يكون سببًا لرفاهية الإنسان وسعادته.
وأهم ما يميز العقل امتلاكه العلم والمعرفة، ومن نعم الله عز وجل للإنسان نعمة العقل. ولو لم يمتلك الإنسان عقلاً يدرك به حياته وأسباب وجوده، لما كان وجوده في الحياة الدنيا فائدة أو منفعة. والعقل يميز بين الصواب والخطأ، والنافع والضار، كما أن العبادات في الإسلام من شروطها أن يكون الإنسان عاقلاً. والإسلام رسالة، والعقل هو السبيل لإدراك الرسالة، وأول خطاب قرآني يمثل أمرًا من أعمال العقل والتفكر: ﴿اقْرَأْ﴾.
والعلم يُعَدُّ السمة التي تتفاخر بها الأمم، وتسعى من خلاله لصنع النهضة الحضارية. ومشكلة العقل المسلم المعاصر هي العجز عن التعامل مع القيم والإنتاج المعرفي، والخطاب القرآني حذّر من القول دون علم ومعرفة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء: 36].
والله عز وجل جعل للعلماء منزلة عالية تعلو عن غيرهم من الناس في الحياة الدنيا وفي الآخرة. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة: 11].
ومعرفة الله وخشيته تكون من خلال العلم بآياته ومخلوقاته، والله عز وجل مدحهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر: 28].
والله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب العلم. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[طه: 114].
وأهل العلم هم أسرع الناس إدراكًا للحق وإيمانًا به. قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الحج: 54].
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهه في الدين» (رواه البخاري). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ومَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» (رواه مسلم).
والله عز وجل جعل ثواب العالم مستمرًّا لا ينقطع عند موته بقدر انتفاع الناس به. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم).
والمعرفة هي قدرة الإنسان على استيعاب وإدراك ما يدور حوله من حقائق، والوعي في الحصول على المعلومات واكتسابها من خلال التأمل والتدبر. ويمكن التوصل إلى المعرفة بالاطلاع على ما وصل إليه الآخرون؛ لأن المعرفة تُعرَّف بأنها كل ما يكتسبه الإنسان من معلومات في شتى مجالات الحياة.
والمعرفة منها الشخصية القائمة على الخبرة الذاتية واكتسابها من الاطلاع، والمعرفة الافتراضية بالتعمق في الحقائق والوقائع ومعرفتها عن كثب. كما أن عالم اليوم يموج بالمعرفة، أو مجتمع المعلومات، والاقتصاد اليوم قائم على المعرفة. ففي الاقتصاد القديم كانت الغلبة للأرض ورأس المال والعمالة، وفي الاقتصاد الحديث أصبحت المعلومات والمعرفة الفنية والذكاء والإبداع والتكنولوجيا والكمبيوتر، إلخ، من مقومات الاقتصاد الحديث.
واقتصاد المعرفة سبيل لتحقيق النمو الاقتصادي، والبنية التحتية القائمة على تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات تحقق النجاح المرجو. ولذلك طلب الخطاب القرآني من الإنسان أن يبني اهتمامه بوحدانية الله على العلم والمعرفة. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾[محمد: 19]. وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[آل عمران: 18].
وثوابت العقيدة منحت العقل الإنساني موقعًا مميزًا من أجل تطوير حركة الحياة الإنسانية. والله عز وجل خلق العقول كي تنتج، والإسلام يعتمد المنهج الاستقرائي لكشف السنن والقوانين الثابتة والمطردة التي تحكم الحياة والكون والأنفس والآفاق، ولاستقراء حركة النهوض والسقوط. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[فصلت: 53].
وحركة الحياة الإنسانية لا تسير بشكل عبثي، وهي محكومة بقوانين تحكم توجهاتها، وبعلاقة إيمانية، والتحرك بالتقوى. وهناك ارتباط بين الإيمان والتقوى وزيادة الرزق. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[الأعراف: 96].
والخطاب القرآني ربط بين الإيمان والصبر الإيجابي وتجاوز المحن. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾[البقرة: 155].
وفي سياق قرآني بالغ التأمل، بيان لأقوام أعرضوا عن الإيمان، فأخذهم الله عز وجل بذنوبهم. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[النحل: 112].
والمجتمع المسلم في أمسّ الحاجة إلى العلم والمعرفة وتشغيل العقل لتحقيق التقدم الحضاري. والمجتمع تتقرر مكانته بين تعددية الأمم بمقدار ما يقدمه من عطاء حضاري للآخرين. والعطاء الحضاري هو السبيل لبقاء الأمم الحية.
والحضارة في الإسلام تتحرك بالبعد الروحي والشرعي من أجل تقدم الحياة وتطورها، وبالعمل الجاد. والسلف الصالح أحسنوا التحرك بالعلم والمعرفة، فصنعوا حضارة ومجدًا باستثمار الوقت.
والله عز وجل أودع في كيان الإنسان صفاء الفطرة ونقاء الروح، والإنسان يمتلك عقلاً لكي يتدبر خطواته في الحياة الدنيا بهدي وبصيرة. والله عز وجل وعد عباده بنصر من ينصره، أي ينفذ تعاليم الله ويعمل بمنهجه ويسير على مقتضى سنته الكونية.
وحقائق الحياة الإنسانية قائمة على الحق والباطل، والعقل والعلم والمعرفة هما أيضًا الوسيلة التي يتمكن الإنسان من خلالها من التعرف على السنن الكونية وثوابت العقيدة بالصورة الصحيحة؛ من أجل التحرك بمقاصد الشريعة الإسلامية، والتعرف على الأهداف التي شُرعت من أجلها، بل معرفة وضع الزمان والمكان. ومن هنا تتشكل رؤى التغيير الإيجابي في كل مجالات الحياة المعاصرة، بل السبيل لمعرفة الله عز وجل وتبيّن الحقائق بأعمال العلم والمعرفة. وكلاهما يمثل السبيل لبناء المجتمع المسلم المتكامل في كل مجالات الحياة.
وفي الختام، إن الاهتمام بتطوير العقل وطلب العلم وتحصيل المعرفة هو السبيل الوحيد لتقدم الأمم واستقرارها، ومن واجب المجتمع العناية بتربية العقول ونشر ثقافة العلم النافع لبناء مستقبل مشرق.