أخبار

ترشيد المياه…

يُعد الترشيد عنوان حياة للمسلم، وليس ظاهرة مؤقتة ولا شعارًا يُرفع عند حلول الأزمات المادية كردّ فعل لها. والترشيد لا يعني التقتير والبخل المذمومين، وإنما هو الاعتدال في كل أمر. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾(سورة الفرقان: 67). وينهى الإسلام عن الإسراف والتبذير في استعمال ما أنعم الله به على الإنسان من موارد البيئة، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(سورة الأعراف: 31). فالآية لم تمنع التمتع بالطيبات، بل نهت عن الإسراف في استعمالها.

وبالنظر إلى الأهمية القصوى لهذا العنصر الحيوي، فإن أغلب كتب العبادات المتعلقة بالطهارة والصلاة أولته عناية خاصة؛ حيث خُصِّصت مقدماتها للكلام عن المرويات المتعلقة بالماء في أبواب الاستنجاء، والوضوء، والغسل. إذ يورد العلماء الأحاديث المتعلقة بطهارة المياه، وأحوال نجاستها، والمقادير التي ينجس بها الماء، والمرويات المتعلقة بحكم ماء البحار والآبار والبرك وغيرها، وكذلك المرويات الخاصة بصلاة الاستسقاء، وصدقة الماء، وما يرتبط بالماء من جوانب طبية… إلخ.

وقد نهى رسول الله ﷺ عن الإسراف في استهلاك الماء عند الوضوء، ولم يُبح مجاوزة الحد المطلوب في الاستعمال، وعدّ الفقهاء كل إسراف أو مجاوزة للحد – كإضافة عضو كالرقبة في الوضوء – قلة فقه، ونقصًا يصيب طاعة المتوضئ. ولم يربط النبي ﷺ ذلك بوفرة الماء أو قلّته، بل جعل التبديد والزيادة مرفوضين، وإن كان المسلم جالسًا على شاطئ نهر جارٍ. فقد روى ابن ماجه من طريق عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ مرّ بسعد رضي الله عنه وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء سرف؟ فقال: «نعم، وإن كنت على نهر جار».

وقد أجمع أئمة الحديث والفقه على كراهية الإسراف في استعمال الماء؛ فقال الإمام الترمذي في باب الوضوء: “باب كراهية الإسراف في الوضوء بالماء”، وقال الإمام ابن ماجه: “باب ما جاء في قصد الوضوء وكراهية التعدي فيه”.

وساق ابن أبي شيبة في مصنفه جملة من الأخبار في النهي عن الإسراف في استخدام الماء، منها:

1- عن هلال بن يساف قال: كان يُقال: في الوضوء إسراف ولو كنت على شاطئ نهر.

2- عن سماك قال: رأيت جابر بن سمرة أُتي بكوز من ماء فتوضأ ومسح على خفيه.

3- عن مسعر قال: رأيت عمرو بن مرة توضأ فما سال من الماء شيء يُذكر.

وفي سنن ابن ماجه عن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُجزئ من الوضوء مُدٌّ، ومن الغسل صاع»، فقال رجل: لا يُجزئنا، فقال: «قد كان يُجزئ من هو خير منك وأكثر شعرًا»، يعني: النبي ﷺ.

ويظهر البيان العملي للنهي النبوي عن الإسراف حين نتأمل نوع الأواني التي كان رسول الله ﷺ يستعملها في الوضوء والغسل؛ إذ تدل على مقدار الماء الذي كان يكفيه. فقد روى الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأُتي رسول الله ﷺ بمِخضَب (وعاء تُغسل فيه الثياب) من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم»، قلنا: كم كنتم؟ قال: «ثمانين وزيادة».

وروى الإمام البخاري أيضًا عن أنس رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمُدّ». وقال أبو داود في تفسير قوله: “إلى خمسة أمداد”: أي كان ربما اقتصر على الصاع (وهو أربعة أمداد)، وربما زاد عليها إلى خمسة. والمد هو مقدار ملء الكفين بالماء، وهو مقدار صغير يزيد قليلًا عن كوب من الشاي، والصاع أربعة أمثال ذلك.

وإن كان في تحديد مقدار الصاع شيء من النسبية باختلاف اصطلاح الناس في البلدان، فإن الثابت أن النبي ﷺ لم يتعدَّ في وضوئه قدر المُد أو أكثر بقليل، كما لم يتجاوز في الغالب أربعة أو خمسة آصع في الغسل بحسب الحاجة، من غير إسراف. وإلى ذلك أشار الإمام البخاري في أول كتاب الوضوء بقوله: “وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ”.

وقد تعجب بعض الناس من قلة هذا المقدار في عهد الصحابة، فكيف بالعصر الحاضر وقد تطورت الوسائل وصُنعت الحنفيات وسُخّن الماء؟! فقد روى الإمام البخاري عن أبي جعفر أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم، فسألوه عن الغسل فقال: “يكفيك صاع”، فقال رجل: ما يكفيني صاع، فقال جابر: “كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا وخيرًا منك”.

وفي رواية النسائي: “تمارينا في الغسل من الجنابة: صاع من الماء، قلنا: ما يكفي صاع ولا صاعان، قال جابر: قد كان يكفي من كان خيرًا منكم وأكثر شعرًا”.

ونستنتج من هذه الأحاديث كراهية التنطع والإسراف في استعمال الماء، وهي صورة حيّة من صور القيمة الحضارية للماء في السنة النبوية الشريفة.

المراجع

عبد العظيم أحمد عبد العظيم، عمارة الأرض، مكتبة الإسراء، الإسكندرية، 2016.

اترك تعليقاً

إغلاق