أخبار
حقيقة المرض…

في زمنٍ يتسارع فيه التقدم الطبي، وتتزايد فيه وعود السيطرة على الجسد وإطالة العمر، لم يعد المرض مجرد حالة عابرة تصيب الإنسان ثم تزول، بل صار تجربة كاشفة لحقيقة أعمق في الوجود الإنساني، وهي حقيقة الضعف. فمع كل إنجاز علمي جديد، وكل وسيلة علاج متطورة، يتعزز لدى الإنسان شعور خفي بالقدرة على التحكم في مصيره، حتى ينسى أن الضعف ليس خللاً طارئًا، بل جزءًا أصيلاً من تكوينه. ومع أن الطب يخفف الألم ويؤخر الموت، يبقى المرض واقعًا لا مهرب منه.
المرض حالة غير سوية تصيب الإنسان، فتضعف قواه، أو تُقعده عن السعي، أو قد تقوده إلى الغياب القسري والرحيل عن الدنيا. وإذا خسر الإنسان عمره، فقد خسر رأس ماله كله، وضاع منه أغلى ما يملك؛ إذ الأيام مطايا للأعمال، والدقائق والثواني مراحل يطويها الإنسان أو تُطوى منه دون إدراك أو تمييز. ومن نقائص هذه الحياة ومنغصاتها ما قدّره الله عز وجل على أهلها من الأمراض والأسقام والأوجاع والآلام والأوبئة والأدواء.
وحياة العلّة والاعتلال والمرض قدر مكتوب، وكأس مشروب، وزائر ثقيل غير مرغوب، فما من مخلوق إلا وهو معرّض لهذا البلاء، قلّ أو كثر، صغرًا أو كبرًا. أمراض تكتسح الأبدان وتوهن الأجسام، وقد زاد عالم اليوم بمادياته ومتغيراته من انتشار هذه الأسقام، حتى أصبحت أخبار الأمراض وأنواعها ودرجاتها حديثًا دائمًا بين الناس، وهاجسًا حاضرًا في أذهانهم. ولِفهم هذا الضعف، نحتاج إلى قراءة أعمق للمرض.
مدخل إلى فهم المرض
في أصل تكوين الإنسان يكمن ضعف فطري؛ حيث نولد عاجزين لا نملك من أمرنا شيئًا، ونمضي حياتنا نتأرجح بين قوة موهومة وهشاشة أصيلة. يسكن ضعفنا أجسادنا التي ينهكها المرض ويصيبها الوهن، وتسكنه أرواحنا التي تتقاذفها أمواج الشكوك والمخاوف والأحزان. نخاف من المجهول، ونقلق على المستقبل، ونتعلق بأسباب الدنيا، فإذا هي أوهى من خيط عنكبوت. نظن أننا نبني حصونًا منيعة من المال أو السلطة أو العلم، لكنها تتهاوى أمام قدر نافذ أو ابتلاء كاشف.
وفي لحظة واحدة قد يفقد الغني ثروته، والقوي عافيته، والعالم ذاكرته، وهنا يتجلى الضعف الإنساني في أصدق صوره. غير أن من رحم هذا الضعف يولد أعظم مصدر للقوة؛ فعندما يدرك الإنسان حقيقة ضعفه، ويعترف بعجزه، ويوقن أنه لا حول له ولا قوة إلا بخالقه، فإنه يفتح بابًا إلى القوة التي لا تُغلب. فالقوة بالله ليست امتلاكًا لقدرات خارقة، بل استشعار لمعية العزيز الجبار؛ طمأنينة في قلب الخوف، ورضا في عمق الألم، وصبر عند أعظم المصائب.
القوة بالله أن تستمد ثباتك ممن لا يغفل ولا ينام، وأن ترى حكمته في كل ما يمنع، ورحمته في كل ما يبتلي به، وأن تسير في مناكب الأرض وقلبك معلق بالسماء، تعلم أنك إن أويت إلى ركنه فقد أويت إلى ركن شديد. فلا يخجل الإنسان من ضعفه، بل يجعله محراب صلاته وبوابة معرفته؛ فمن عرف ضعفه عرف قوة ربه، ومن استغنى بقوة الله كان أغنى الأغنياء وأقوى الأقوياء.
وفي حياة كل إنسان لحظات يواجه فيها المرض، فتكون رسائل تحمل في طياتها دروسًا عميقة، تذكره بقيم الحياة وأهميتها، وتكشف هشاشته أمام قوة القدر، وتعيد إليه الوعي بأن الصحة أغلى كنوز الحياة. فعندما يزور المرض، تتضاءل متع الدنيا، وتصبح الأمنيات بسيطة، وندرك أن العافية نعمة لا تُقدّر بثمن، وأنها ليست مجرد غياب للمرض، بل قدرة على العيش والحركة والعمل.
ويعلّم المرض الإنسان أن حياته ليست مضمونة، وأن الصحة هبة من الله لا تُخزن ولا تُدَّخر، بل تُشكر ويُحافظ عليها. فالمعافى بعد مرضه يدرك أن الصحة هي أغلى ما يملك، وأنها تمهّد طريق السعادة والنجاح. وكما قال الشاعر الحكيم:
| وكَسرةُ الخُبز في أكنافِ عافيةٍ | ألذُّ طعمًا من السلوى مع السقمِ |
على أسرّة المرض: امتحان الصبر والإيمان
تتجلى حالات الضعف البشري على أسرّة المشافي في أوضح صورها؛ حيث يعلو الأنين، ويظهر معدن الإنسان وأخلاقه وإيمانه، بين صابر حامد شاكر، وبين ساخط غاضب معترض على قدر الله. كما تكشف هذه اللحظات حقيقة علاقة المريض بمحيطه، وأولوياته، وحصاد ما زرعه من إحسان أو تقصير.
وعلى أسرّة المرض تتجلى قدرة الله العظيمة وحكمته البالغة، حيث يُكسر غرور العبد وكبرياؤه، ويُذكَّر بضعفه وعجزه، وبأنه بين ألطاف الرحمن وقدره في كل لحظة. وتُمنح له فرصة صادقة للتفكر، واستشعار النعم التي كان غافلاً عنها، عسى أن يعود ويصلح ويلتزم الطريق.
لقد جعل الله تعالى، من عظيم لطفه بعباده، هذه المحطات في حياتهم؛ يعيدون فيها اكتشاف أنفسهم، ويختبرون ضعفهم، ويراجعون خياراتهم، ويتذكرون أنهم في امتحان قد ينتهي في أي لحظة، وأن الرحلة قد تتوقف في محطة قريبة لم يستعدوا لها بعد، وأن الاستعداد لها هو أعظم ما ينبغي أن يُعنى به الإنسان.
هل المرض غضب من الله؟
يظنّ كثير من الناس أن الله يعاقب على الذنوب في الدنيا، وأن ما يحلّ بنا من مصائب إنما هو انتقام وعقوبة، فيتصوّر المبتلى أن الله غاضب عليه وناقم. غير أن الواقع يُظهر وجود أصحاب كبائر، بل ومن يُحاربون دين الله، وهم ينعمون بالعيش الرغيد والعافية.
إن المرض ليس دليلاً مطلقًا على غضب الله، بل هو في المنظور الإسلامي ابتلاء، وتكفير للذنوب، ورفع للدرجات، ورحمة بالعبد. ومعاقبة الله للمؤمن الصابر في الدنيا ليست من قبيل المؤاخذة؛ لأن أخذ الله شديد، وإنما هي منحة وإكرام للمؤمن الصابر، لا ينالها المؤمن الساخط. فالمصيبة لا تُحتسب له عقوبة، كما لا ينالها الكافر، وهو أولى بسخط الله وعقابه، لكن الله لم يعجّل له العقوبة، بل أمهله حتى يموت.
وقد يكون الابتلاء وسيلة لتصحيح المسار، وتطهير النفس، أو زيادة القرب من الله بالدعاء والصبر، ولا يُعد عقوبة بالضرورة. ويتجلى ذلك في صبر الأنبياء، كأيوب عليه السلام. والمتأمل يجد أن احتساب المصيبة عقوبة للمؤمن الصابر إنما هو من قبيل الحب والرحمة والعطاء، لا من قبيل المؤاخذة والعقوبة والانتقام.
منحة المرض
إن المرض في حقيقته نعمة كبيرة؛ إذ يذكّرنا بالضعف البشري والعجز الإنساني. فنحن لا نعرف فضل العافية إلا بتجربة المرض، ولا ندرك قيمة ما هو طبيعي ومألوف إلا عندما نتعرض لطارئ مفاجئ. فلا يمكنك أن تميّز ما تحمله لك قدمك إلا حين تعجز عن حملك، ولا تشعر بقيمة الحركة إلا عندما يُقيّدك جسدك الضعيف. وهكذا يكشف المرض عن نعم كنا نعيشها دون انتباه أو شكر.
وتدفعنا تجربة المرض إلى إعادة النظر في حساباتنا الخاطئة، أو على الأقل إلى تصحيح المسار، والإفاقة من الأوهام الزائفة والمظاهر الخادعة، وكل أشكال النفاق الاجتماعي التي نمارسها بقصد أو بغير قصد. بل إن المرض يأتي أحيانًا كأنه رسالة مؤكدة الوصول، ليؤكد لنا أن الصحة ليست منحة أبدية، وأنها قد تخوننا في أي وقت ودون مقدمات، لتتحول فجأة إلى مصدر ألم لا ينقطع.
والحكمة التي نتعلمها من المرض أنه مهما بلغت قدرتك وقوتك ومنصبك ونفوذك، فلن يتحمل عنك الألم أحد، ولن تشفع لك مظاهر الرفاهية التي تحيط بك. وحتى الطبيب، مهما بلغت شهرته ومهارته، لن يمنحك أكثر من مسكنات ومهدئات، إلى أن يمنّ الله عليك بالشفاء ويعيد إليك العافية. عندها فقط تدرك ضرورة التوقف عن الغرور البشري، والصلف المستمر، وقهر الآخرين، والفخاخ التي تُنصب ليلاً ونهارًا، بينما عداد العمر لا يتوقف عن المسير.
المرض فرصة لإعادة التقييم
المرض من سنن الله في خلقه، لا يسلم منه بشر، ولا ينجو منه أحد. وهو فرصة حقيقية لإعادة تقييم الحياة ومن فيها؛ فرصة للتعرّف على الحجم الطبيعي لكل من حولنا، والقيمة الحقيقية للأسرة والأصدقاء والأقارب والزملاء، وفرصة لاكتشاف نقاط ضعفنا، وما يضرّ صحتنا ويعكّر صفو مزاجنا. فالعزلة التي يفرضها المرض توقظ الفكر، وتفتح آفاقًا جديدة، وتمنح فرصة نادرة لتوسيع القوى المعنوية.
يعيد المرض تشكيل الإنسان، ويدخله في عالم التأمل العميق وفحص الضمير، ويجعله يعيد النظر في مقاييس القيم، ويخفف من ثقل الأفكار والميول التي لا جدوى منها، ويعلّمه التواضع، ويكشف له ملامح ذاته العميقة. وحتى الخوف الذي يبعثه المرض هو من فضائله؛ إذ إن كثيرًا من الناس لا يعودون إلى رشدهم وتقواهم وربهم إلا حين تضيق المسالك وتتعثر الدروب.
كما أن الألم الجسدي ينمّي في صاحبه إلهامًا روحيًّا، وانسجامًا في الأهداف، وفلسفة أعمق للحياة، وفهمًا أوسع للإنسانية والتسامح. وقد قيل: كلما ازداد بنا الألم، ازداد لدينا حسن التصرّف.
وفي المرض ينشط الخيال، وتزداد القدرة على التركيز، كأن غريزة البقاء تُقصي كل ما هو غير ضروري، فتقوى الحواس، وتشتد المشاعر، وقد يبكي المريض أو ينزعج دون سبب ظاهر.
وهكذا قد يكون المرض منحة خفية ونعمة مستترة، تُحدث تحولاً إيجابيًّا في حياة الإنسان. ففي تجلياته، وسطوة الألم، واعتلال الجسد، يجد الإنسان نفسه داخل دائرة ضيقة، لكنها صادقة، ألا وهي دائرة الضعف الإنساني.
وليس المرض وحده ما يذكّر الإنسان بضعفه؛ فالحياة تمضي به نحو مرحلة أخرى تُجسّد هذا الضعف بوضوح، وهي الشيخوخة. ومثل المرض، تأتي الشيخوخة كتجسيد طبيعي للضعف الإنساني، لا بوصفها نهاية للإنسان، بل تحولاً في مسار عطائه. فالضعف الجسدي لا يُلغي القيمة، بل يعيد توجيهها نحو الحكمة والسكينة والرحمة. وفي هذا الطور، تتجلى حاجة الإنسان إلى القبول، لا إلى الإنكار، وإلى الرعاية، لا إلى الهروب من الواقع.
خاتمة
عليك أن تستلهم من مسيرة حياتك، وتستفيد من لحظات الضعف التي مررت بها قبل أن تصبح قويًّا. فكرّس قوتك في عبادة الله وطاعته، وانتهز لحظات القوة لأداء واجب الطاعة والعبادة للخالق الذي أمدّك بالقوة ووهبك العقل والفكر والبصيرة. فلا تضيع قوتك، التي سوف تزول لا محالة، في هوى النفس وشهواتها، ولا تُفنِها في معصية الله أو في غير ما أُهِلّت له.
تذكّر أن لحظات حياتك عجلة دائرة؛ فأنت بين ضعف وقوة، وعجز وقدرة. تولد متجهًا إلى نهايتك منذ أول نفس، فكل دقيقة تمرّ تقرّبك من أجلك، ولا تنحرف عن هذه الغاية أبدًا، ولا تتخلف عن موعدها. أنفاس معدودة وخطوات محدودة، فإذا اكتمل العدد كانت النهاية، ويُسدل الستار على إنسان كان.