أخبار
ظلمات ثلاث…..

رحلة البحث عن النور في أعماق الذات
أخي ورفيق الدرب..
هل سألت نفسك يومًا، ونحن نجلس سويًّا في المجالس الطيبة، نتأمل في آيات الله ونتدارس معاني الإيمان، لماذا تهتز قلوبنا دائمًا، وترتجف أرواحنا، كلما مرت علينا ذكرى أو قصة سيدنا يونس -عليه السلام-؟
هل لأنها مجرد «معجزة» تاريخية لنبي ابتلعه الحوت ثم نجا بقدرة الله في زمن غابر؟ أم أن هناك سرًّا آخر يجعل هذه القصة حية فينا حتى اليوم؟
الحقيقة التي وجدتها وأنا أتأمل في واقعي وفي واقع جيلي، أن هذه القصة ليست تاريخًا مضى وانقضى، بل هي «مرآة حية» تعكس حالي وحالك.. نعم، إنها قصتنا نحن!
ولكن، مهلاً يا صديقي..
قد تقول لي الآن وأنت تسمع هذه الكلمات: «أي حوت هذا الذي تتحدث عنه؟ أنا أعيش في بيتي آمنًا، وأذهب إلى عملي، وأمارس حياتي بصورة طبيعية.. أين هذا الحصار؟!»
هنا تكمن الخدعة الكبرى!
إن أخطر أنواع الحصار ليس ذلك الذي يُفرض بالأسوار والأسلاك الشائكة، بل هو الحصار «غير المرئي» الذي يلتف حول الروح ببطء. لو كان الحوت ماديًّا لرأيناه وقاومناه، لكننا اليوم نواجه «وحشًا معنويًّا» ابتلعنا ونحن لا نشعر.
أغمض عينيك للحظة، وتحسس قلبك بصدق.. ألا تشعر أحيانًا بضيق مفاجئ لا تعرف سببه؟ ألا تحس بأنك تركض في الحياة اليومية والدراسية دون أن تصل لشيء ذي قيمة حقيقية؟ ألا تشعر بغربة الروح حتى وأنت وسط ضحكات الأصدقاء؟
لقد علمتنا رسائل النور في تأملاتها العميقة لـ«اللمعة الأولى» أننا محاصرون بـ«مثلث رعب معنوي»، أضلاعه ثلاث ظلمات، تطابق في شدتها ظلمات يونس الحسية.
لنمزق الأغلفة الزائفة ونواجه هذه الحقائق:
الظلمة الأولى: ليلٌ لا قمر فيه.. (ظلمة المستقبل والقلق)
في القصة، كان الليل البهيم يغطي الآفاق ويحجب النور.. ونحن اليوم، ماذا يغطي آفاقنا؟
إنه «غول القلق» من الغد. نحن شباب في مقتبل العمر، لكن رؤوسنا تشتعل شيبًا من التفكير: ماذا بعد التخرج؟ كيف سنواجه أعباء الحياة؟ وهل سينجلي هذا «الشتاء» الطويل الذي نعيشه؟
إن غياب الرؤية الواضحة، والشعور بأن المستقبل «نفق مظلم»، هو ليل دامس يسكن عقولنا، ويسرق منا لذة الحاضر، ويجعلنا نتخبط خوفًا من مجهول لم يأتِ بعد.
الظلمة الثانية: بحرٌ هائج بلا شاطئ.. (ظلمة الفتن)
كان البحر حول يونس يغلي، وموجه يضرب بعضه بعضًا.. أليس هذا هو الوصف الدقيق لـ«دنيانا» اليوم؟
لننظر حولنا.. نحن لا نعيش على يابسة مستقرة، بل وسط «طوفان» من الفتن والمغريات. أمواج تضربنا بعنف في الشوارع، وفي الجامعات، وحتى عبر الشاشات التي لا تفارق أيدينا.
نحن نشعر أحيانًا أننا «غرقى» وسط بحر الشهوات والشبهات التي تحاول اقتلاع جذور الإيمان من قلوبنا الغضة. نشعر أننا صغار جدًّا، وسفينتنا الإيمانية ضعيفة أمام هذه الأمواج العاتية التي تجرف الملايين نحو القاع. هذه هي «الظلمة» التي تجعل الرؤية ضبابية.
الظلمة الثالثة: الحوت.. (حوت الأنا)
وهنا، يكمن الداء الحقيقي والمقبرة الأضيق.
الحوت ابتلع يونس -عليه السلام- وحبسه في مكان لا هواء فيه.. ونحن؟ من يبتلعنا؟
إنها «النفس الأمارة بالسوء» و«الأنا».
عندما نكون في الدراسة أو المنزل أو العمل، وتغلبنا الأنانية، فنبحث عن راحتنا الشخصية ونتهرب من المسؤولية.. نكون في بطن الحوت.
عندما نتكاسل عن الصلاة، أو نتقاعس عن نصرة الحق لأننا «مشغولون» بذواتنا..
عندما نقوم بعمل رائع في العمل، أو نتفوق في دراستنا، ثم تجد قلوبنا تلتفت يمنة ويسرة تنتظر «كلمة مدح» من مسؤول، أو «تصفيقًا» من الأقران، وإذا لم نجد هذا المدح فترت همتنا وتوقفنا.. هنا نكون قد ابتلعنا طعم «الأنا»، وحبسنا إخلاصنا في سجن فانٍ.
عندما نجلس في مشورة، فيرى أحدنا أن رأيه هو الحق المطلق، ويتمسك به بعناد، ويرفض الاستماع لإخوانه، مفضلاً «أنا» العجرفة على «نحن» الجماعة المباركة.. هنا يكون حوت الكبر قد ابتلع تواضعه، وعزله عن البركة.
هذا السجن الداخلي الضيق، الذي ندخله بأقدامنا، هو الذي يعزلنا عن النور الإلهي، ويجعلنا نشعر بالاختناق الروحي حتى ونحن نسكن في أوسع القصور.
فكيف الخروج من هذه «المصيدة المحكمة»؟
هل ننتظر معجزة من السماء ونحن قاعدون؟ أم نعتمد على ذكائنا البشري المحدود؟
سيدنا يونس علَّمنا الدرس الخالد: حينما تسقط الأسباب الأرضية، وتغلق كل الأبواب، لا يبقى إلا باب «رب الأسباب».
لقد أضاء في وسط هذا السواد الحالك «مصباحًا واحدًا»، كان كافيًا لتبديد كل هذا الظلام، إنه مصباح التوحيد الممزوج بدموع الانكسار: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
ولنتأمل قليلاً في سر قوة هذا الدعاء المثلث، وكيف يفكك الظلمات الثلاث:
- «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»: هذا هو الترياق لظلمة المستقبل والقلق.
- «سُبْحَانَكَ»: هذا هو الدواء لظلمة أسباب الدنيا الهائجة؛ ننزهك يا رب عن العجز، فأنت القادر على تطويع البحار والأحداث لنصرة عبدك، وتعطيل القوانين المادية لأجله.
- «إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»: وهذه هي الضربة القاضية لظلمة «الأنا»؛ إنه الاعتراف بالضعف والتقصير، وبهذا الانكسار تتنزل الرحمة وتُغفر الذنوب التي حبستنا في بطن الحوت.
وهذا ليس كلامًا عاطفيًّا للمواساة، بل هو «وعد نبوي» قاطع كالسيف. فقد بشَّرنا الحبيب المصطفى ﷺ بأن هذا المصباح ليس خاصًّا بنبي الله يونس، بل هو في يد كل واحد منا، حيث قال: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له».
دعوني أضرب لكم مثلاً نعيشه:
تخيلوا معي «البذرة» الصغيرة.. حينما نلقيها في الأرض، فهي تعيش نفس الظلمات الثلاث: (ظلمة ثقل التراب فوقها، وظلمة غلافها القاسي، وظلمة الوحدة تحت الأرض). الظاهر للعين أنها دُفنت في قبر وانتهت.
لكنها لأنها «تتوكل» على خالقها بالفطرة، وتأخذ بالأسباب، تتحول هذه الظلمات من «قبر» للموت إلى «محضن» للحياة! فتنشق الأرض، وتخرج البذرة لتصبح شجرة باسقة مثمرة تعلن للعالم كله: «لقد جاء الربيع».
ونحن كذلك.. ظلماتنا الحالية، ومشاكلنا، ليست قبرًا لطموحنا وإيماننا.. بل هي «التربة» الخصبة التي يربينا الله فيها لنكون رجال المستقبل.
فلا تيأسوا.. وأشعلوا «مصباح يونس» في ليلكم، واثبتوا في أماكنكم، وانتظروا الفرج.. فإن بعد عسر الشتاء، لا بد أن يأتي يسر الربيع.. وتلك سنة الله التي لا تتبدل.