أخبار

حين يعود القلب…

ما من شيء أثقل على الإنسان من قلبٍ يتوزع بين الجهات، ولا أشقى من نفسٍ تبحث عن طمأنينتها في عيون الناس، وتلتمس قيمتها في كلماتهم، وتستمد أمنها من حضورهم أو غيابهم.

إن الإنسان -في عمق تجربته- لا يُرهقه العمل بقدر ما يُرهقه التعلّق، ولا تُثقله المسؤوليات بقدر ما يُثقله الخوف، ولا يُتعبه السعي بقدر ما يُتعبه التيه بين مراضاة هذا، ومراقبة ذاك، وانتظار حكم الآخرين عليه.

وهناك، في تلك المنطقة الخفية من القلب، حيث تتحدد بوصلة التوجه، يبدأ البناء الحقيقي للإنسان: إما أن يتجه إلى الواحد، أو يتوزّع بين الكثرة.

ومن هنا تشرق كلمات بديع الزمان سعيد النورسي، لا بوصفها خطابًا وعظيًّا، بل باعتبارها إعادة تأسيس للرؤية، حين يقول في “المكتوب العشرون”: “إن الله واحد أحد، فلا تُتعب نفسك بمراجعة الأغيار.. فإن وجدتَه فقد ملكتَ كل شيء”. إنها كلمات تختصر أزمة الإنسان وحلّها في آنٍ واحد.

التعب الخفي أو حين يعيش الإنسان خارج مركزه

ليس كل تعبٍ يُرى، وليس كل إرهاقٍ سببه الجهد. ثمة تعبٌ صامت يتسلل إلى النفس حين تفقد مركزها، وحين يصبح القلب ساحةً مفتوحة لكل عابر.

إن “مراجعة الأغيار” التي يحذّر منها النورسي ليست مجرد تفاعل اجتماعي، بل هي حالة من الاستغراق النفسي، حيث يتحول الإنسان إلى مراقب دائم؛ يراقب نظرات الناس، ويفسّر كلماتهم، وينتظر تقييمهم، ويعيد تشكيل ذاته بناءً على ردود أفعالهم. وهنا يفقد الإنسان استقلاله الداخلي، ويتحول -دون أن يشعر- إلى كيان يُدار من الخارج.

وقد أشار أبو حامد الغزالي إلى هذا المعنى بدقة، حين قرر أن أصل الشقاء هو التعلّق بغير الله، وهو تعبير يكشف أن المشكلة ليست في “الناس”، بل في موقعهم من القلب. فإذا فَقَدَ القلب مرجعيته الواحدة، توزّع بين المرجعيات، واستُنزف بين الاتجاهات.

التعلّق أو حين تتحول العلاقات إلى قيد

لا أحد يقصد أن يكون عبدًا لغير الله، لكن كثيرين يسقطون في ذلك من حيث لا يشعرون، ليس بالسلاسل الظاهرة، بل بالحاجة الباطنة.

حين يحتاج الإنسان إلى رضا الآخرين ليطمئن، يصبح أسيرًا لهم، وحين يخشى سخطهم أكثر مما يخشى الخطأ، يبدأ في التنازل، وحين يقيس نفسه بميزانهم، يفقد ميزانه الداخلي. وهنا تتجلّى حقيقة دقيقة عبّر عنها ابن القيم بقوله: “من تعلّق قلبه بغير الله عُذّب به”. وهو عذاب لا يُرى، لكنه يُعاش في صورة قلق دائم، وترقّب مستمر، واهتزاز في القرار. إن المشكلة ليست في وجود العلاقات، بل في تحولها إلى مصادر تعريف للذات، بدل أن تكون مجالات للتفاعل.

الخوف أو حين يتضخم الوهم في الوعي

الناس -في حقيقتهم- محدودو القدرة، لكنهم يكبرون في أعيننا حين يغيب عن وعينا حضور الله.

والخوف من الخلق ليس دائمًا نتيجة قوتهم، بل نتيجة تصوّر مضخّم، أو قلب فقد مرجعيته، أو نظر انقطع عن السماء. وحين ينفصل السبب عن المسبّب في إدراك الإنسان، يتحول السبب إلى قوة مستقلة، فيخافه، ويحسب له حسابًا يفوق حجمه. لكن حين يعود القلب إلى أصله، ويرى أن كل شيء بيد الله، تتغير الصورة، حيث تتقلص المخاوف، وتسقط الهيبة المصطنعة، ويهدأ الاضطراب.

وهنا يتجلّى المعنى القرآني العميق: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ)(آل عمران:175)، إنه ليس نهيًا عن الخوف فحسب، بل إعادة توجيه له.

التوحيد وإعادة بناء الإنسان من الداخل

حين يقول النورسي: “لأن سلطان الكون واحد”، فهو لا يقرر حقيقة عقدية مجردة، بل يعيد ترتيب بنية الإنسان الشعورية. والتوحيد هنا ليس فكرة تُحفظ، بل هو إعادة توجيه الخوف، وإعادة توجيه الرجاء، وإعادة توجيه الاعتماد.. أن يتوقف القلب عن التشتت، ويستقر في اتجاه واحد.

وحين يحدث ذلك، لا يصبح الإنسان أقل حركة، بل أكثر ثباتًا، ولا أقل تفاعلاً، بل أكثر وعيًا، ولا أقل حضورًا، بل أكثر استقلالاً؛ لأنه لم يعد يتحرك لإرضاء الجميع، بل يتحرك وفق معيار واحد.

الحرية الحقيقية حين يتحرر الداخل

الحرية التي يبحث عنها الناس كثيرًا لا تُمنح من الخارج، بل تُستعاد من الداخل. وقد عبّر ابن تيمية عن هذا المعنى تعبيرًا فريدًا حين قال: “ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري”. إنها حرية لا تُهددها الظروف، ولا تُقيّدها القوى؛ لأنها نابعة من اتصال ثابت بالله. وهنا يتحول الإنسان من كائن يتأثر بكل شيء، إلى كائن يمرّ بالأشياء دون أن تملك قلبه.

ولم يكن الإنسان في زمن من الأزمان، محاطًا بهذا الكم من “الآخرين” كما هو اليوم. فالعالم الرقمي أعاد تشكيل العلاقات، وجعل الإنسان مكشوفًا لنظرات لا تنتهي، وتقييمات لا تتوقف. في هذا السياق، يتضخم حضور الناس، ويتراجع حضور الله في الشعور، ويصبح الإنسان أكثر عرضة للتشتت.

وهنا تصبح كلمات بديع الزمان سعيد النورسي، ضرورة وجودية؛ لأن القلب إن لم يجد مركزه في الله، تفرّق في الشاشات، وضاع في المقارنات.

من الفرد إلى الأمة

التوحيد لا يبني فردًا فقط، بل يصنع أمة. والأفراد الذين تحرروا من الخوف والتعلّق، لا يُستعبدون بسهولة، ولا يُساومون على المبادئ، ويتحركون بثبات. أما الأمم التي تفقد هذا المعنى فتخاف، وتتردد، وتُدار من الخارج.

ومن هنا كان التوحيد أساسًا للعزة، كما قرر القرآن: (وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(المنافقون:8).

ومن ثم، فليست القضية أن يترك الإنسان الناس، بل ألا يفقد نفسه بينهم.. ليست القضية أن يعتزل الأسباب، بل ألا يمنحها ما ليس لها.

وحين يجد الإنسان الله، لا يعود محتاجًا أن يُثبت نفسه، ولا خائفًا من أن يُسقطه أحد، ولا مرهقًا بملاحقة رضا أحد.. إنما يهدأ، لأنه وجد الاتجاه، ويثبت، لأنه اتصل بما لا يتغير.

وهنا فقط يفهم المعنى العميق لكلمات النورسي: “فإن وجدتَه فقد ملكتَ كل شيء”، ليس لأنه امتلك الأشياء، بل لأنه تحرر من الحاجة إليها.

الخاتمة

كل ما يُتعب الإنسان يمكن أن يُردّ إلى الكثرة، وكل ما يريحه يمكن أن يُردّ إلى الواحد. فإذا عاد القلب إلى الواحد، انتظمت الفوضى، وسكن القلق، وخفّ الثقل. ولم يعد الإنسان بحاجة أن يحمل العالم على كتفيه، لأنه صار متصلاً بمن بيده العالم كله.

(*) كاتب وباحث أكاديمي مصري.

المراجع

(١) المكتوب العشرون، كلية رسائل النور (المكتوبات)، بديع الزمان سعيد النورسي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ٢٠٠٨م.

(٢) إحياء علوم الدين، كتاب التوكل، أبو حامد الغزالي.

(٣) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية.

(٤) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية.

اترك تعليقاً

إغلاق