أخبار
البعد الصوتي في…

لم يكن الإعجاز البياني للقرآن مُفحِمًا لفصحاء العرب وجهابذة اللغة زمن النبوة وبعدها، بما حفل به من جمال أسلوبي وسحر بلاغي جعل العرب تُدرك أنه كلام فريد يعلو ولا يُعلى عليه فحسب، وإنما كان مردّ ذلك -أيضًا- إلى ما زخر به من التأليف الصوتي الجميل والبديع، الذي انضاف إلى بقية الأدوات والمداخل البلاغية والجمالية. فوقف العربي وقفة منبهر أمام تركيب الخطاب القرآني، فرأى نثره ولم يجد فيه شيئًا مما اعتاده في نثرهم، ووعى عبر جرسه وإيقاعه أن القرآن قريب من شعرهم دون أن يكون شعرًا.
فتذوّق العربي -وهو صاحب الملكة والذائقة- جمال القرآن، فعرف جلاله واستشعر سحر بيانه في كل آية، بل في كل لفظة من ألفاظه. أدرك أنها لم توضع في موضعها إلا لغاية في ذاتها ولمعنى أُريد لها، فجاءت دقيقة في مبناها مؤدية لمعناها، يخدمها تركيبها الصوتي البديع، الذي جاء غاية في التناسق مع المقصد الدلالي، متوائمة مع بعضها البعض، متناسقة في اللفظ كأنها وشْيٌ من الحُلَل أبدعها مبدع حاذق. فانضاف جلال نظمها وتأليفها إلى كمال النظم، كما أرسى فكرته علاّمةُ زمانه في البلاغة العربية الإمام عبد القاهر الجرجاني (400-471هـ) عليه في كتابه “دلائل الإعجاز”، وهو يثبت إعجاز القرآن بناء على تآلف اللفظ والمعنى، ردًّا على المعتزلة في عصره من أنصار اللفظ وأنصار المعنى.
إن العربي -وهو يقف أمام سحر القرآن منبهرًا- لم يكن لتوقّفه عند التراكيب والألفاظ والنسق والنظم فقط، وإنما كان للصوت في بنية اللفظ نفسه سِحْرُه المؤثر، الذي جعل العربي عاجزًا عن محاكاة السورة في القرآن. فأدرك كنه التحدي الذي جاء به متدرجًا من الكتاب كله إلى السورة الأقصر. ولعل مردّ هذا الإدراك الواعي -في نظري- عائد إلى الثقافة الشفهية التي غذّت الملكة السمعية للإنسان العربي قبل عصر التدوين، فجعلته يلتقط أدق التفاصيل الصوتية، خاصة وأن بيئتي الشعر والسجع كانتا سائدتين في التداول العربي بشكل مكثف.
ولذلك لم يكن غريبًا على العرب أن يتواضعوا على معجمية تحاكي الأصوات في الطبيعة، فتستمد منها بنيتها الفونيتيكية، ولهذا قال الخليل: “فكأنهم توهّموا في صوت الجندب صريرًا فقالوا: صرّ الجندب”. ومن رهافة سمعهم نبعت تسمياتهم لأصوات الحيوان، كالفحيح والثغاء والرغاء، وأصوات الطبيعة كالخرير والقرقرة والحفيف والدمدمة والهسهسة، وغيرها كثير مما حفلت به المعجمية العربية.
لذا، كان التقاط العربي للصوت في القرآن، من المداخل التي أفحمته وأعجزته عن محاكاة نظمه، بل والتجرؤ على مجاراة نسق آية من أقصر سورة فيه. فوعى وعيًا كاملاً أن الصوت فيه ليس مجرد تأليف يُشكّل مبنًى، وإنما هو بلاغة قائمة بذاتها، تتغيّا مقصديةً توافق المقام الذي ترد فيه اللفظة وأخواتها، وتنضاف إلى جانب دورها التأليفي الفونيتيكي في تكوين المادة الصورية للفظ، ودورها في التنغيم وصناعة الجرس.
الصوت وتجليات البلاغة في القرآن
يتجاوز الصوت في هذا المقام، طرْحَ “ابن جني” حين عرّف الصوت في “سر صناعة الإعراب” قائلاً: “اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً”، إلى مستويات تُصاقِب الألفاظُ فيها المعاني، كما تناولها “ابن جني” نفسه في كتاب “الخصائص”، حيث ربط بين الدلالة والأصوات، ربطًا عجيبًا كشف عن سحر العربية وجمالها.
وقد أدرك العربي هذا السحر في تأليفية المفردة القرآنية إدراكًا واعيًا، فميّز بين الجهر والهمس، وأدرك صفات الرخاوة والشدة، والسمات الانفجارية، والاستفال والاستعلاء، وغيرها من مميزات الصوت، إدراكًا دقيقًا مربوطًا بالمعنى ومقيدًا به أشد التقييد. لذا، جاء القرآن في أعلى درجات البلاغة، مراعيًا لدور الصوت ووظيفته كما يدركها العربي وأكثر. فكان استخدام المفردات، بتركيباتها الصوتية، موافقًا تمام الموافقة للمعاني المقصودة، مؤديًا لها على أكمل وجه وأتم مقصد.
لنمعن النظر في قوله تعالى: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)(الرحمن:66)، والعربي يعرف أن “النضخ” يعني التفجر بقوة، كما هو “النضح” أيضًا بالحاء. غير أن استعمال القرآن للخاء أبلغ من استعمال الحاء، رغم اشتراكهما في صفة الهمس. فإن الخاء تتميز بالاستعلاء والرخاوة والانفتاح، فكان التعبير القرآني بالنضخ أقوى وأبلغ من لو أنه أتى بالحاء في هذا المقام الذي كان فيه الحديث عن الجنة وما تحمله من نعيم، إذ يدل “النضخ” -بالخاء- على القوة والاندفاع بغزارة، بينما “النضح” يكون للرقة والخروج بلطف.
وفي قوله تعالى: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ)(القارعة:1-3)، حيث الحضور المكثف لأصوات القاف المستعلية المجهورة، والراء التكرارية، والعين الناصعة بلغة الخليل، وهي أصوات مجهورة شديدة تدل على طبيعة المقام الذي يستدعي الشدة والقوة؛ فهول القيامة يطرق القلوب بقوة ويقرعها لترى المشاهد القادمة. قال تعالى: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)(القارعة:4-5).
ولننظر الآن في قوله تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)(الشعراء:94-95)، لنرى هذا التأليف الصوتي البديع للفعل “كبكب” المضعّف بالتكرار، ليدل عبر تناوبية الصوت على مشهدية السقوط في النار، فيُصوَّر المشهد كأنه يتراءى أمام العين، فيستشعر المتلقي شدة وقعه في نفسه.
وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ)(التوبة:38)، يأتي الفعل “اثّاقلتم” بما يحويه من أصوات (الثاء والقاف واللام)، ينضاف إليها التضعيف والمد، مؤديًا دلالة التثاقل والتباطؤ من بعض أهل الإيمان الذين وجدوا في الخروج لغزوة تبوك عنتًا، لبعد الشقة وقلة الزاد وشدة الحر. فجاءت الآية معاتِبة لمن آثر السكون والبقاء من ضعيفي الإيمان وأهل النفاق الذين قعدوا عن القتال، وحرضوا غيرهم على عدم الخروج. فكانت الأصوات في الفعل شديدة التعبير عن هذا التثاقل، الذي يجده القارئ ويحسّه السامع في تأليفة اللفظ.
ولنتأمل قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(البقرة:137)، وقوله تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ)(النور:55)، نجد أن بنية “فسيكفيكهم” مكوّنة من تسعة أحرف، و”ليستخلفنهم” من عشرة أحرف، ومع هذا الطول المقطعي تجدهما أخفّ ما تكون الخفة وألين ما تكون الليونة. ولو أنك أردت تركيب كلمة من هذا العدد قياسًا عليهما، لما انقاد إليك الجرس والنغم والخفة كما تجد في تأليف القرآن.
ولهذا أشار “الرافعي” -رحمه الله- في بيان جميل بديع فقال: “وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع، مما يكون مستثقلاً بطبيعة وضعه أو تركيبه، ولكنها بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت في نظمه مخرجًا سريًّا، فكانت من أخف الألفاظ حلاوة، وأعذبها منطقًا، وألينها تركيبًا؛ إذ تراه قد هيأ لها أسبابًا عجيبة من تكرار الحروف وتنوع الحركات، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها، كقوله: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ)(النور:55)، فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات، إذ تُنطق على أربعة مقاطع. وقوله: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ)(البقرة:137)، فإنها كلمة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكررت فيها الياء والكاف، وتوسط بين الكافين هذا المد، الذي هو سر الفصاحة في الكلمة كلها”.
فقد لاحظ “الرافعي” أن توزيع الكلمتين بحسب بنيتهما المقطعية الرباعية والثلاثية، هو ما يمنحهما هذا السر البلاغي البديع، الذي يسمهما بالصفاء وسهولة المخرج.
الصوت تشكيل جمالي في الخطاب القرآني
إن الخطاب القرآني يعجّ بمثل هذه الأمثلة الرائعة في كل آية من آياته، مما يجعل الصوت يقف إلى جانب عناصر أخرى، كاللفظ والنظم والتركيب والفواصل وأشكال البيان والبديع، وغيرها من العناصر التي جعلت من القرآن كلام الله المعجز، الذي أبهر العارفين بأسرار العربية ودقائقها. وما إدراك العربي في أوج عصر العربية للفرق الكبير بين القرآن وشعرهم ونثرهم، بعدما وجدوا فيه تأليفًا جديدًا مختلفًا عما دأب عليه لسانهم، إلا دليل يكفي كل جاحد لم يؤت نصيبًا من العربية.
فقد أدركوا تأليف حروفه قبل كلماته وآياته، فعرفوا أن كل حرف فيه وُضع بدقة وإتقان يعجز عنه أهل البيان، فتدفقت من تأليف الأصوات أنغام شجية مطربة، وترقرقت منها سواقي عذبة طرب لها القلب كما تطرب الطبيعة لتغريد طيورها الصادحة. فرأوا تناسبًا عجيبًا بين الأصوات في بنية اللفظ ومع التركيب، ووجدوا تناسقه قويًّا بديعًا مع التأليف القرآني في السورة كاملة.
فعلموا أن الصوت إنما هو وسيلة وغاية جمالية تتجاوز حدود المقصد الدلالي الذي وُضع لأجله، فيُحدث في كل موقع خاص نغمًا جميلاً، باعتبار همسه وجهره وتكراره وتفشيه ورقته وتفخيمه، وغير ذلك من صفاته، مما اختاره البديع جلّ وعلا مخرجًا لقرآنه في أبهى الحلل وأورف الظلال. فيكون للصوت -وهو أصغر الوحدات- دوره في تأدية المعنى وفي التشكيل الجمالي، الذي هو جزء من بداعة الخلق، وسنّة من سنن الله في الكون، لم يخرج القرآن عنها مطلقًا، فكان غاية الجمال وحلّة الكمال.
إن الصوت في القرآن ليس مجرد وحدة دنيا تؤلف بنية الكلمة، وإنما هو مدخل دلالي وجمالي يسهم في تحقيق غايات إيقاعية وتنغيمية ومقاصد دلالية توافق المقام البلاغي ولا تشذ عنه. ويتجلى ذلك سواء عبر تناسق الأصوات في البنية اللفظية فيما بينها، أو عبر انسجامها مع التأليف الكلي للتركيب والنص، مما يسهم في إنشاء تناغم وتناسب عجيب شكّل البلاغة المثلى للصوت في القرآن.
وهي البلاغة التي وقف منها الفصحاء والبلغاء العرب موقف الدهشة والانبهار أمام خطاب تكاملت فيه كل أجزاء اللغة صوتًا، ولفظًا، وجملة، وجرسًا، ونغمًا، وتصويرًا، وتناسقًا، وانسجامًا. تكاملٌ كانت بدايته من الصوت الذي يبدو عرضًا، غير أنه في حقيقته جوهر فريد، منه المنطلق نحو البلاغة المتكاملة في كل جوانبها المعجزة.
(*) كاتب وباحث مغربي.