أخبار

اسم الفاعل في…

دراسة بلاغية دلالية في ضوء نظرية النظم

حينما وضع الإمام عبد القاهر الجرجاني، رحمه الله عليه، نظرية النظم في سياق تاريخي دانت فيه الساحة للمعتزلة، كان مقصده الرد على أنصار اللفظ وأنصار المعنى؛ لإثبات إعجاز القرآن القائم على النظم، الذي هو توخّي معاني النحو، كما جاء في سياق تعريفه له في كتابه «دلائل الإعجاز». وقد اجتهد الإمام غاية الاجتهاد في إثبات إعجاز كلام الله تعالى عبر طرحه البلاغي الدقيق لمناحٍ مختلفة من مواضع الإعجاز، كالتقديم والتأخير، والوصل والفصل، وبيان الفروق في الخبر، والفروق في الحال، والحذف والإيجاز والإطناب، والاستعارة والتمثيل، وغيرها من القضايا اللغوية التي تصنع فوارق كبيرة في تحقيق درجات البيان والفصاحة، وتمنح التفاوت للكلام، فيعلو بعضه على بعض.

ومن أعذب القضايا اللغوية التي أثارت اهتمامي في الخطاب القرآني استعمال المشتق عاملاً بدل فعله، كصيغ المبالغة، وأسماء المفعولين، والصفة المشبهة، والمصادر، بناءً على من قالوا باشتقاقها من الفعل؛ فكلها تأتي لتأدية مقاصد بلاغية ودلالية مختلفة عن مقاصد الأفعال التي اشتقت منها.

واسم الفاعل واحد من هذه المشتقات الفريدة التي يُؤتى بها في الكلام، لا لمجرد الصياغة الهيكلية، وإنما لأداء معانٍ بلاغية دقيقة تتلاءم وسياق الكلام، لتمنحه بلاغته التي تعجز المفلق، وتفحم الجهبذ.

يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾[الأنعام: 95].

نجد استعمالين مختلفين في الآية؛ استعمال الفعل المضارع «يُخرج»، دالًّا على التجدد والاستمرار، واستعمال اسم الفاعل «مُخرج»، دالًّا على الثبات والسكون، وهو استعمال غاية في البلاغة لا يستطيعه أفصح الفصحاء، لما يحمله من دقة متناهية في تبليغ المقصد المتوائم مع سياق الإنبات في الآية الكريمة؛ إذ تقتضي دورة الحياة غرس النواة في التراب وتعهدها بالسقي، لتخرج نبتتها التي تأخذ في النمو يومًا بعد يوم، فكان التعبير هنا عن ذلك بالمضارع قمةً في التوافق الدلالي.

ولما أراد الحق سبحانه بيان مرحلة أخرى من مراحل الإنبات، وهي إخراج الثمر وما فيه من نوى ساكن ميت، يحتاج مرة أخرى إلى دورة جديدة للحياة، عبّر عنه باسم الفاعل «مُخرج»، فكان هذا التعبير قمةً من قمم البلاغة التي أفحمت العربي وألجمت فصحاء قريش والعرب أجمعين.

ولننظر الآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾[الحجر: 97]، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾[هود: 12].

فقد جاءت آية الحجر مصدَّرة بقوله تعالى: «ولقد» للتوكيد، مقرونًا بالعلم الإلهي الأزلي، مستعملة الفعل المضارع «يضيق»، الدال على التجدد مع كل سخرية واستهزاء يمارسه الكفار في حق النبي عليه السلام. وكان تقديم «أنك» في السياق متوائمًا مع تجدد الفعل؛ لإظهار شدة وطأة الكلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وما يحدثه من أثر نفسي يدل قطعًا على بشريته، صلوات ربي وسلامه عليه.

أما في آية هود، فاستعمال اسم الفاعل غاية بلاغية مختلفة «ضائق»، مفيدة التوقع في المستقبل لما يصنعه المشركون من رفض وصدّ عن الهدى؛ لذا جاء اسم الفاعل حاملاً دلالة الثبوت، متماشيًا مع سياق الآية المحذِّرة والناهية للنبي عليه السلام من التأثر بأقوال المشركين، خلاف سياق آية الحجر التي جاءت لتخفف وتواسي النبي عليه السلام.

ولننظر الآن في مثال آخر، يقول الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾[فاطر: 2].

تجد استعمال اسم الفاعل «مُمسك» نافيًا لكل جهة تستطيع أن تتصف بالقدرة على الإمساك؛ لأنه لا وجود في الكون نهائيًّا لمن يستطيع أن يكون ممسكًا للرحمة أو إرسالها دون الله تعالى، فجاء نفي اسم الفاعل لإفادة نفي الجنس كله؛ لتثبيت انفراد الله تعالى وحده بهذه السلطة والقدرة.

وكان استعمال الفعل المضارع في الآية «يُمسك» دالًّا على استمرار فعل الإمساك وتجددِه في كل وقت وحين، خاضعًا لحكمة الله وتدبيره لكونه.

ومن جميل التعبير القرآني هنا هذا التناوب البديع بين الصيغ: «ما يفتح.. فلا ممسك»، و«ما يمسك.. فلا مرسل»، تناوب تحكمه البلاغة ويضبطه المقصد؛ فكانت الأفعال مسندة إلى الذات الإلهية؛ لأنها تصور أفعاله المتجددة حسب ما تقتضيه حكمته تعالى، بينما أسماء الفاعلين أُسندت إلى الفاعل المنفي؛ دلالة على عدم وجود كائن في الكون يستطيع أن يوصف بهذه القدرة.

وهو نفس التعبير القرآني الذي نجده في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾[فاطر: 41]، في دلالة على تجدد فعل الإمساك، تجنبًا لزوال السماوات والأرض، رحمةً بالعباد والخلائق. فالفعل هنا دائم متواصل، يوحي بالقوة والسلطة التي تمنع الزوال؛ لذا كان الفعل هنا أبلغ من استعمال اسم الفاعل «مُمسك»، الذي سيوحي بأن الإمساك صفة ثابتة، تنفي دوام التدبير الإلهي لكونه.

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾[النحل: 19]، يأتي فعل العلم مضارعًا للدلالة على تعلق العلم بالأحداث المتغيرة في كل لحظة، بينما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[فاطر: 38]، جيء باسم الفاعل دلالة على ثبوت العلم ووقوعه صفةً للخالق عز وجل.

وهو أمر ملاحظ في كل الآيات التي يرد فيها اسم من أسماء الله تعالى، كالغافر، والخالق، والبارئ، والمصور، وفاطر، وغيرها من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، التي تأتي اسمًا للفاعل، كما تأتي صيغة المبالغة لإثبات اتصاف الله تعالى بهذه الصفات اتصافًا أزليًّا ثابتًا ودائمًا.

إن تأمل أسماء الفاعلين التي سقناها للتمثيل لا الحصر، يؤكد أن استعمالها في مقامات قرآنية خاصة لا يعود إلى بنيتها الصرفية، وإنما إلى موقعها في النظم وعلاقته بالسياق القرآني، من حيث تجاورها مع غيرها من الألفاظ؛ لتأدية المعنى المقصود وتحقيق الأثر النفسي في المتلقي، ما يدل على دقة الانتقاء الصرفي والتجاور اللفظي في كل آية من الآيات؛ انتقاء لا يكون لأجل تنويع الصيغ، وإنما هو انتقاء سياقي تكون فيه عناية المتكلم أشد ما تكون بمواءمة المقام ومقتضى الحال، لمنح العبارة القرآنية وشاح البلاغة، وسمة الارتقاء إلى أعلى مراتب الفصاحة.

فهو المشتق القادر على نقل المعنى من وقوع الفعل إلى ثبوت الصفة ووقوعها واستقرارها في صاحبها؛ لذلك يُؤتى به لإفادة الاستمرار أو تحقق الوقوع، ما يهب التعبير القرآني عمقًا دلاليًّا وفصاحة أعلى، وإيجازًا في البنية يغني عن تعددية في المباني، كحال اسم الفاعل المحلّى بـ«أل» في قولنا مثلاً: «ظهر القمر المشع نوره»، فلفظ «المشع» يغنيك عن قولك: «ظهر القمر الذي يشع نوره»، أي يغنيك عن اسم الموصول الذي يُقحم في بنية «أل» التعريف.

لذا كان لجوء الخطاب القرآني إلى اسم الفاعل بدل الفعل من أروع وأبدع أسرار البلاغة في القرآن، التي منحته إعجازه المبهر.

اترك تعليقاً

إغلاق