أخبار
عطاء الصبر –…

حادثُ الهجرة المباركة يُمثِّل الحدثَ التاريخيَّ لأمَّة الإسلام، وسيظل كذلك إلى قيام الساعة؛ لأن الهجرة المباركة تجلَّت فيها معاني عطاء الصبر، وعطاء الصبر للمؤمنين يفوق كلَّ تصور، في ظل إيذاء كفار ومشركي قريش للرسول ﷺ وللسلف الصالح رضي الله عنهم. فقد كانوا لا يقبلون دعوة الإسلام التي انطلقت سرًّا لمدة ثلاث سنوات، ولما دخل في الإسلام نحو ثلاثين مؤمنًا، اختار الرسول ﷺ دار الأرقم، وكانت بمعزل عن كفار قريش، تقع أسفل جبل الصفا، ولم يكن الأرقم يُعلن إسلامه، وكان عمره نحو ستة عشر عامًا، فكيف لقريش أن تبحث عن تجمع إسلامي في بيت فتى؟ وبعد ثلاث سنوات جاء الأمر الإلهي بالجهر بالدعوة، قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)[الحجر: 94].
ومع عطاء الصبر، قال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)[الطور: 48-49].
وعطاء الصبر يُمثِّل عطاءً للواثق برسالته في مواجهة تطاول المكذبين، قال تعالى: (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا)[المزمل: 10-11].
وجاءت الهجرة الأولى في الإسلام إلى الحبشة، وكانت لِأحد عشر رجلاً وأربع نساء، في ظل تكذيب مشركي قريش، وقال لهم الرسول ﷺ: «إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه».
والهجرة النبوية، كحدث تاريخي، تشكَّلت من روح الإيمان بعطاء الله عز وجل، وامتلكت الشجاعة والبسالة لكل من ساهم فيها. قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[الأنفال: 30].
وجاء الخطاب القرآني ليسجل معجزة الغار، قال تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التوبة: 40].
ومن معاني الهجرة كما جاء في الخطاب القرآني، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[التوبة: 20].
وكانت الهجرة من روح الإيمان، وحققت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الحشر: 9].
وعطاء الهجرة بالصبر يُبرز حاجة المجتمع المسلم إلى العمل بخصائصها ومعانيها والدروس المستفادة منها، كما تجلت في مجتمع المدينة المنورة؛ إذ امتلكت خصائص العمل والجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية. وقد بعث الله رسوله ﷺ لقومه، وكان معروفًا بالخلق القويم والأمانة، وجعل معجزته القرآن الكريم. ومن هنا كانت الهجرة النبوية بداية انطلاق إلى آفاق أوسع، لتصبح المدينة المنورة قاعدة الدولة الإسلامية ومنطلق نشر الدعوة، وقد أيد الله رسوله ﷺ بجنود لم يبصرهم الناس، قال تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا)[التوبة: 26].
وكان في الهجرة صداقة صادقة، تخلَّت عن المال والأهل والولد في سبيل الصحبة، ممثلة في أبي بكر رضي الله عنه، كما دلَّت على جواز الاستعانة بغير المسلم دليلاً للطريق، كما حدث مع عبد الله بن أريقط؛ فمعرفة الطريق تحتاج إلى خبرة. وكانت الهجرة نجاةً للرسول ﷺ من مؤامرة مشركي قريش لقتله، ولم تكن تفريطًا في الوطن أو الأهل. وكانت الدعوة في مجتمع مكة فترة إعداد وتربية للفرد المسلم على تحمُّل الشدائد والصبر، واستمرت تلك المرحلة ثلاثة عشر عامًا، أدَّت فيها مهامها وفق تعاليم الكتاب الكريم والسنة المطهرة؛ لأن الرسالة رسالة رحمة للناس كافة، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الأنبياء: 107].
وكانت الهجرةُ انتقالاً من مكان يكون فيه المسلم مضطهدًا، لا يمكنه القيام بتعاليم دينه، إلى موطنٍ ذي فاعلية. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء: 97].
ولقد امتلك السلفُ الصالحُ كافةَ عناصر الجهاد، وتحملوا الصبر، وواجهوا كفار ومشركي قريش. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[البقرة: 218].
وقال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء: 100].
وارتبط عطاءُ الصبر للهجرة المباركة بعطاء القرآن الكريم، وذكر فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 100]. وثوابُ الهجرة قائمٌ إلى قيام الساعة.
وقال الرسول ﷺ: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (رواه مسلم).
والإنسان في الحياة الدنيا لا بدَّ له من هجرة إلى الله عز وجل؛ فهو بحاجة إلى عزمٍ، وقوةٍ، وإرادةٍ، وصبرٍ، وصمودٍ، ومقاومةٍ، وشجاعةٍ، ويقينٍ بالله عز وجل. قال تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الصف: 10-11].
والعقلُ المسلمُ يجب عليه الاستعداد في كل موطنٍ لنصرة الله عز وجل، وإعلاء كلمته، وعطاءُ الهجرة يكون بالتحرك لمرضاة الله بالعلم، والجهاد بالنفس والمال. قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ)[النساء: 95].
وقال الرسول ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا» (رواه البخاري).
والمجتمع المسلم، مع ذكرى الهجرة، بحاجةٍ إلى صحوة، والطاقة الحضارية للمجتمع المسلم تتمثل في: الإنسان، والطبيعة، والزمن، والعلم، والعمل؛ وذلك لمواجهة التخلف الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
فثوابت العقيدة دعوةٌ لرعاية أبناء المجتمع في ظل السياسات الصحيحة، وقد تحقق ذلك في مجتمع المدينة المنورة بصيانة حرية الإنسان وحقوقه، والتحرك وفق تخطيط مرحلي، مع وعي الإسلاميين بكل المتغيرات والتطورات والاحتمالات، وإدراكهم لقيمة الوعي بوصفه عنوانًا للتعامل مع سنن الكون في النفس والمجتمع والتاريخ، بما يجعلهم قادرين على عبور جسور الصعوبات، وإبلاغ الرسالة على النحو الذي يؤهلهم لاستحقاق المنَّة، ليكونوا شهداء على الناس. لقوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[البقرة: 143].