أخبار
الخيَّامية بين…

الخيمة في الزمن الماضي كانت لها وظائف هامة وأساسية في حياة البادية، من حيث المأوى والحماية من الظروف المناخية القاسية. ثم تطورت في أشكالها وخاماتها عبر الزمن الطويل، وانبثق عنها فن عريق عُرف بـ”فن الخيَّامية”، فغدت الخيمة تحفة أثرية متنقلة عبر العصور. وقد وصلت إلى عالمنا الحالي بكل ما طرأ عليها من متغيرات، لتصبح بمثابة استمرارية فنية ثقافية معاصرة تربط الماضي بالحاضر.
فن الخيامة أول ما عُرف عند المصريين في العصر الفرعوني، فقد كانوا يعتمدون فيه الزخرفة على القماش الملون بقصد تزيينه وإظهاره بمنظر جميل لافت، ثم امتد هذا الفن وتوسع جغرافيًّا ليطال العديد من البلدان العربية، وذلك مرورًا بالعصر الإسلامي والأموي والمملوكي.. فبلغ الفن ذروته في الإبداع الذي ظهر على خيام السلاطين والملوك، وقد عُرفت الخيمة بـ”السرادق”. والسرادق هو خيمة كبيرة أو بناء مؤقت يُنصب لاجتماع الناس في مناسبة ما، مثل العرس أو المأتم، أو أي حدث خاص، وهو يحيط بالشيء، ويكون أشبه بالجدار أو الخيمة التي توفر مظلة أو مساحة محددة مناسبة. وتطور هذا الفن في العصر الحديث بشكل تقني ومختلف جدًّا، ولكن مع المحافظة على روح التراث.
لقد برع المصريون القدماء في التزيين على كل شيء حولهم، وتناقلوا إبداعاتهم من جيل إلى جيل، مما يؤكد الاستمرارية التاريخية للحرف اليدوية والفنون التطبيقية، وتعتبر الخيامية إحدى تلك الفنون المميزة لديهم. إنهم استخدموا الأقمشة الرقيقة للملابس، أما السميكة فخصصت للخيام والمفروشات والأغطية، فاستخدمت الزخارف على الأقمشة التي وضعت على جدران المقابر، مثل مقابر “طيبة” التي تظهر الشخصيات وهم يرتدون ملابس ذات طيات معقدة، مما يشير إلى استخدامهم الأقمشة الفاخرة.. وكذلك مقابر “ختوم حتب”، حيث كانت مطرزة بخيوط ملونة، تصوِّر نماذج من الحياة اليومية، كالزراعة والصيد والرقص وممارسة بعض أنواع الحرف. فبرزت المطرَّزات على الستائر والقوارب والملابس وغيرها، كما ظهرت الأغطية المطرَّزة على قطع الأساس، كالأسرَّة والمقاعد، وذلك باستخدام الخيوط الملونة المستخرجة من الطبيعة، مما يدل على نشوء بداية انطلاق فن الخيامة.
كانت الزخرفة تتم على القماش بعد تشكيل التصميمات على الخيام واللوحات والوسائد وغيرها، ويستخدم القطن والحرير والقطيفة وقماش الساتان والتيل وأقمشة القلوع والجلود الرقيقة.. ثم تطورت الزخارف تباعًا مع تقدُّم الزمن، فظهرت النقوش الإسلامية متضمِّنة الخط العربي المتنوع بما يحمل من آيات قرآنية جميلة. استخدمت الأدوات التقليدية في الصناعة، كالإبر المصنوعة من العظام أو النحاس وخيوط البطانة الملونة.. وأخذت التصميمات شكل الزخارف الهندسية، كالمثلثات والنجوم والبكرات والخطوط المتوازية والمربعات والمعينات.. كذلك ظهرت الزخارف النباتية متمثلة بزهرة اللوتس التي كانت تطرَّز على الملابس بشكل خاص، كذلك جاءت المطرزات على شكل أوراق النخيل، ومنها على شكل الرمح الشمسي (دائرة مجنحة)، وهناك زخارف تحمل أشكال الحيوانات المقدسة والطيور مثل الصقور.. إضافة إلى استخدامهم الرموز والعناصر التراثية، مثل الخرزة الزرقاء والفانوس المصري، والعين الزرقاء التي لها مدلولاتها التي لا تخفى على أحد.
إن نشوء هذا الفن وظهوره بشكله الجمالي، جعل منه حرفة تتوارث عبر العصور، وهي مثلها مثل غيرها من الحرف التي قاربت على الاندثار، فأُلِّفت فيها الكتب بقصد المحافظة عليها والاستلهام منها وتطويرها. وتعتبر مرجعًا للباحثين في مجال الفنون التطبيقية والتراث، وكذلك للمصممين الذين يرغبون في إحياء فن الخياميات المميز، وخاصة في الديكور والأزياء. كما يهدف إحياء هذا الفن إلى لفت النظر لأهمية هذه الحرفة التي شارفت على الاندثار وإنقاذها من التفتت والضياع.
يعود أصول هذا الفن إلى عهد بناء الأهرامات المصرية، فقد استُخدم القماش الملون في الزخرفة والزينة، ويعتقد أن استخداماته كانت لأجل صناعة الخيام كمظلات للعمال وأغطية للملوك. وهناك أدلة على تشابه الزخارف التي وجدت في خبيئات المومياءات، وقد وجدت بالطريقة نفسها على الملابس، مثل خبيئة “الدير البحري”.
فن الخيامة في العصر الفرعوني
يُعتبر فن الخيامة أحد أهم فنون التطريز المصري التقليدي، وهو فن شعبي عريق. وقد أكدت الاكتشافات الأثرية والعديد من المقتنيات التي وجدت في المتاحف نشوءَ هذا الفن لدى المصريين الفراعنة، فكان لهم السبق الأول في صناعة الغزل والنسيج والتطريز عليه. وقد تم العثور على قطع أثرية في المقابر الفرعونية مصنوعة من الكتان يعود تاريخها إلى آلاف السنين، تثبت كيف كانوا يطرزون الملابس وغيرها بالخيوط الملونة وبأشكال مختلفة، مستخدمين القماش المصنوع من الكتان أو القطن الطوبي، وقد سمي بذلك لأن لونه يشبه لون الطوب.
كان يُقصد في بداية هذا الفن، تزيين ملابس الملوك والنبلاء والأشخاص ذوي المكانة العريقة في المجتمع. كذلك استُخدم القماش المطرز في كسوة المومياءات والتوابيت والستائر ومفروشات المعابد والقصور.. ذلك أثناء الاحتفالات والمناسبات الدينية.
أخذ هذا الفن طريقًا مختلفًا في العصر القبطي، فكان للأقباط حرفة موروثة أضافوا إليها زخارف جديدة تحمل أشكال الصلبان والرموز الإنجيلية، مع الحرص على إبقاء روح التراث الفرعوني وإظهار الأعمال بأشكال دقيقة وألوان زاهية.
ظهر هذا الفن بشكل لافت في الصحراء الجنوبية للمملكة المغربية، فكانت أنماط التطريزات والزخارف تدل على هوية القبيلة أو العائلة، أما كثرتها فتدل على مكانة الأسرة، وهي مرتبطة بمناسبات الأعراس وطقوس المواسم. ومن اللافت أن تلك الزخرفات لم تكن تقتصر على الملابس والستائر والمفارش والخيام، بل امتدت لتشمل الأغطية التي توضع على الجمال، ويدل هذا على الحرص على إظهار لمسات الجمال في كل ما حول ساكني الصحراء. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الإبداعات كانت تنفِّذها النساء على وجه الخصوص، وتتوارث من جيل إلى جيل.
لقد أصبح فن الخيامية في العصر الحديث مصدر إلهام للمبدعين لتصميم الأزياء بالتشكيل على “المانيكان” في ضوء اتجاه الهدم وإعادة البناء. وذلك بالاعتماد على خطوات تطبيقية هامة لأسلوب النسيج المضاف إلى الخيامية التي تعتبر النسيج الرئيسي في الصناعة كمادة أولية، حيث يتم تحديد التصميم المراد تنفيذه من المصادر الفنية المختلفة، ثم يُرسم التصميم على ورق الكرتون بالطباشير العادية أو الخاصة، وتخرَّم أطراف التصميم بآلة العجلة المستخدمة بالخياطة، ويُثبَّت على القماش الأساسي المراد زخرفته ويرش فوقه نوع من البودرة الخاصة، وبعدها تنزع الطبقة العلوية، فيكون التصميم قد انطبع على القماش بشكله النهائي، وعلى قماش “التيل” يُثبَّت ويتم إخاطته بعناية عبر الغرزة السحرية المعروفة بغرزة “القط”. وهذه الطريقة اعتمدت على الطريقة الأساسية لفن الخيامة، وخاصة فيما يتعلق بتصميم الأزياء. ثم ظهرت الآلات الحديثة التي تُستخدم في الخياطة والتطريز والطباعة، لتعطي هذا الفن مزيدًا من الدقة والسرعة في الإنجاز.
فقد حاول الإنسان المعاصر إعادة ذلك الفن بطرق حديثة ركيزتها التراث الأصيل الذي لا غنى عنه، مشكِّلاً بذلك قطعًا فنية مميزة، دامجًا التراث بالحداثة. فقد ظهرت أوجه ارتباط تناولت تأثير الاتجاه التفكيكي في المجالات المختلفة للتصميم، وبصفة خاصة تصميم الأزياء، كذلك ظهرت نقاط اختلاف من خلال تطبيق الهدم وإعادة البناء على الملابس وما تتضمنه من زخارف بتقنية “الخيامية”، مما أظهر الاتجاه التفكيكي بصفة عامة، وفن تصميم طباعة المنسوجات والأزياء بصفة خاصة، بأسلوب التشكيل على “المانيكان”.
المناسبات لاستخدام الخيامية في العصر الحديث
تستعمل الخيامية في مناسبات الأفراح والمآتم والاحتفالات المختلفة، وإن لها دورًا هامًّا في إطلالة شهر رمضان من كل عام، حيث يتم استقبال الضيوف وتقديم وجبات السحور والفطور، وذلك ضمن طقس تقليدي بسيط، يجلس الكل على الأرض المفروشة بالسجاد والوسائد المزركشة ذات الألوان التراثية الجميلة، إضافة إلى جدران الخيمة التي زُينت بالزخارف الإسلامية اللافتة، وتضاء الخيمة بالفوانيس للمحافظة على الروح التقليدية العريقة. كما تقام فيها الأمسيات الدينية من محاضرات وندوات ومساحة زمنية لتلاوة آيات من القرآن الكريم.
والآن تطوَّر استخدامات الخيامة لتصبح مقصدًا سياحيًّا مميزًا كما يحدث في الإمارات، فيأتيها السائحون بقصد الترفيه والعيش في أجواء دينية أصيلة ممتزجة بالتراث والحداثة، في جو لاسترجاع الذاكرة الجمعية الخاصة بالروحانيات الرمضانية، مساحة مخصصة للعبادات بعيدًا عن الصخب والمتاعب.
ختامًا نقول: إن فن الخيامية لا يعتبر مجرد حرفة متوارثة بل هو إبداع أصيل، تمتد جذوره نحو التاريخ الفني العريق، متأرجحًا بين الدقة الهندسية والجمال الفريد، ويحق له العناية والمتابعة والاهتمام والتقدير. ولهذا وجب التنويه إلى قلة المصادر التي تناولت تلك الحرفة بحد ذاتها، ولكن ظهرت دلائلها في مصادر ومراجع الفنون التطبيقية، التي أبرزت أهمية فن التطريز وجماليته عبر جذوره التاريخية، ليكون البداية الأصيلة لفن الخيامة.
——————–
(*) كاتبة وصحفية سورية.
المراجع:
(١) فن الخيامية، الدكتور رأفت محمود النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة التراث الفني المصري، ط١، 1987م.
(٢) الفن المصري القديم، الدكتور ثروت عكاشة، دار المعارف مصر، وهو ضمن الموسوعة الثقافية.
(٣) مجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية، المجلد السادس، العدد الثامن والعشرون، 2021م.