أخبار
كيف تبني…

يمثل التسامح في مختلف مستوياته، حاجة ملحة وضرورة لا محيد عنها في المجتمعات الحديثة؛ لكونه يسمح لأفراد المجتمع بالحياة المشتركة وقبول الاختلاف، مما يمنح اكتساب المهارات -العقلانية والعاطفية والعلمية- التي تؤهل الشخص لاكتساب قيم التسامح، أهمية كبرى، حيث تمكنه من امتلاكٍ متقَن لمهارات التسامح بوصفه سلوكًا وطريقة ومنهجًا في الحياة. من خلال هذا التصور العام، سنحاول إبراز دور المدرسة ووظيفتها التربوية في ترسيخ قيم التسامح لدى التلميذ، وبعض الإستراتيجيات الممكنة لتحقيق ذلك.
فلسفة التربية على قيم التسامح
أظهرت أغلب الدراسات والأبحاث الاجتماعية والنفسية الميدانية، أن ممارسة القوة والتسلط في العملية التربوية، تؤدي إلى توليد التسلط الاجتماعي والسياسي على المدى البعيد؛ لأن التسلط التربوي يشكل في جوهره نوعًا من الرفض للتطور الطبيعي للطفل، وتنكرًا لوجود الآخر الذي هو تعبير عن وجود فُرضته الطبيعة واقتضته فطرة الكون(1). حيث تقود التربية التسلطية، إلى الخضوع والامتثال، ليتحول الفعل التربوي -على إثرها- إلى ممارسة سلبية، تكرس مبدأ الترويض والإخضاع، وتغييب التفكير النقدي الذي يصدر عن الفرد ذاته. في حين تعمل التربية الحرة التسامحية، على بناء شخصية الطفل وكينونته الذاتية الحرة، الرافضة للتبعية والخضوع، والقادرة -في الوقت نفسه- على تحليل وفهم الواقع بصيرورته المتواترة ومساره المتغير. لهذا، تكمن الوسيلة الناجعة لعملية بناء المواطن النقدي الحر المتسامح، في تنمية الذكاء وإيقاظ الروح النقدية لديه، لأن هذا الذكاء لا يكتفي بالوقوف عند حدود استعراض المعرفة والمعلومات الجاهزة، بل يرفض الخضوع لأي فكرة أو معرفة أو رأي معين، ما لم يخضع للمساءلة النقدية والتقييم السليم في مقابل المعرفة المدرسية التلقينية، التي تساهم في تعمق البعد الغرائزي المؤدي للانغلاق والجمود والخضوع. ثم إن إضعاف القدرة على التفكير النقدي، ينشئ لدى الطفل قابلية تبني الأفكار العرقية العنصرية التي تقود إلى الكره والتعصبية والحقد. لهذا، تساهم الأنظمة التربوية بأساليبها وطرائقها التلقينية، في بث كل أشكال العطالة الأخلاقية التي تشوه الإنسان وتدفعه لممارسة التعصب والانغلاق. وهذا يجعلنا أمام أسئلة كثيرة، تتعلق بمدى ما يحظى به الأطفال في مختلف الأنظمة التربوية من تعليم يمنحهم قدرة على تحليل النصوص والإدراك النقدي.
على الرغم من أن كثيرًا من الأنظمة التعليمية تعلِّم التلميذ نصوصًا عامة عن السلام والتسامح والتآخي، فإن هذه النصوص تتناقض مع الواقع التربوي، الذي يروض الأطفال على الخضوع إليها. لهذا، تجدر الإشارة إلى أن موقف الإجلال والتقدير للكبار، قد يكون خطرًا في غالب الأحيان؛ حيث يتمكن الكبار من بث أفكار مناهضة لقيم الحرية والإنسان. وهنا يتوجب على المعلمين المساهمةَ في تأصيل تعليم بنائي نقدي عند الأطفال والناشئة، باعتباره منطلقًا للتربية على التسامح، لأن هذه التربية غير ممكنة في إطار تربية تسلطية، ولا تتمحور حول ذات الفرد، ولا تنمي فيه الطاقة النقدية والقدرة على أن يكون مصدرًا لوجوده الحر المستقل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: أين يتجلى المكان المفضل لبناء هذه التربية التسامحية؟ هل تمثل التربية على التسامح مهمة مجتمعية على وجه العموم، أم أنها مهمة تقع على عاتق المربي (المعلم) والأسرة فقط؟ مهما يكن الجواب، فإن مسؤولية التربية على التسامح، تقع على كاهل المجتمع والمدرسة في آن واحد.
المدرسة وترسيخ السلوك التسامحي
تساهم المعرفة المعمقة لمفهوم التسامح من خلال دلالاته ومعانيه، في اكتساب القدرة على السلوك التسامحي، مما يسهم في امتلاك القدرة على توظيف هذه المعرفة وهذا السلوك في مواقف خلافية تتطلب ممارسة التسامح؛ لأن إدراك معنى التسامح ودلالته، يؤسس لمعرفة عملية في مجال التربية التسامحية، وهذا يضمن تطوير هذه المعرفة وتوظيفها فعليًّا في مناحي الحياة المختلفة العامة. وعلى هذا الأساس، يمكن التأكد من مصداقية القرار التسامحي ومشروعيته، لكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه المعرفة بمفردها لا تشكل حافزًا كافيًّا لممارسة التسامح في حالة صراع أو اختلاف(2)، فهناك نسق من القدرات يمكن للإنسان أن يوظفها في توليد ممارسة تسامحية فعالة، ومنها:
١- القدرة على الحوار والتواصل والاستماع إلى وجهات نظر الآخر، والإيمان بحقوقه وتقدير حاجاته.
٢- القدرة على تقبل الرأي الآخر.
٣- القدرة على توظيف نماذج سلوكية ديمقراطية، من أجل تنظيم الخلاف واحتواء النتائج المترتبة عليه.
٤- توليد معرفة بالذات، قائمة على أن الإنسان بتكويناته الذاتية لا يتصف بالكمال، وأن مواقفه ورؤاه وتصوراته وتفسيراته معرَّضة للخطأ والزلل والنقص والانحياز، وأن هذا النقص والانحياز الذاتي، يمكنه أن يكون أصل الخلاف مع الآخر.
وبالتالي، فإنه لا تقف التربية المدرسية على التسامح عند حدود المعلومات والتعريف بالمهارات التي تساعد على اكتساب المعرفة العملية فحسب، بل تتجلى في ترجمة هذه المعلومات وهذه الخبرات إلى الفعل والممارسة على مستوى الواقع. والتربية تبني لدى الطفل، إلى جانب الإحساس الكبير بأهمية التسامح والتشبع بمعانيه، إحساسًا أصيلاً بالهوية، لأن امتلاك الشعور بالهوية المتماسكة، يمكّن الفرد من تقدير الآخرين؛ بحيث يشكل تقدير الآخر، ضرورة لتقدير الذات، ومدخلاً أساسيًّا من مداخل التسامح الإنساني. فمن لا يقدِّر ذاته ولا يحترم نفسه، لا يستطيع بالضرورة تقدير الآخرين واحترامهم. كما يشكل تقدير الذات والآخر في الآن ذاته، منطلقًا جديدًا لتقدير التنوع والاختلاف، والنظر إلى التباين الإنساني والثقافي باعتباره صورة من صور الغنى والثراء الإنساني، وليس مظهرًا من مظاهر التهديد والتخويف والقلق. وذلك يقتضي امتلاك المنهج المناسب لبناء الإحساس بالثقة بالنفس والذات والقدرة على التعبير عن الانطباعات الذاتية، وعن الآراء والأفكار والحاجات التي تقتضيها ضرورة الوجود والحياة عامة(3)، مما يتطلب بناء مناهج تربوية مناسبة لهذا وإعدادها للمدرسة، على أساس النظريات التربوية والتجارب الميدانية الجارية في هذا الميدان. من هنا، تأتي أهمية بناء التقنيات التي تمكن الفرد من السير بمقتضى التسامح، من خلال ربط هذه التقنيات بالنظريات التربوية المعاصرة حول التربية على التسامح وحقوق الإنسان. بمعنى أنه يتوجب بناء المناهج وفقًا للمعايير التي نذكر من بينها ما يلي:
أ- تمكين التلاميذ من تجاوز كل السلوكيات القائمة على سوء الفهم والتقدير والنظر إلى هذا الأمر بوصفه أمرًا طبيعيًّا، ومن ثم التغلب على الاختلاف والتباين عبر الاتصال مع الآخر والتواصل معه.
ب- تعريف التلاميذ بسمات التواصل وأهميته، إذ يمكِّنهم من السيطرة على سلوكهم وتصرفاتهم في وسط اجتماعي يتسم بالصراع والاختلاف والتباين.
ج- الاستفادة من مختلف التجارب التربوية في مجال التسامح، والتربية على التسامح.
د- تدريب التلاميذ على اختبار نتائج التسامح الحقيقي، بالمقارنة مع السلوك القائم على مبدأ اللاتسامح.
هـ- التعريف بوجود إمكانات ووسائط أخرى متعددة، يمكن توظيفها في حالة الاختلاف والصراع، وتزويد الأفراد بمعلومات مؤكدة عن هذه الوسائط.
تتطلب هذه المعايير المنهجية من المربين، تحمل مسؤوليات كبيرة في ميدان التربية على التسامح وتقبل الآخر؛ لأن تعليم قيم التسامح، ينتقل من المستوى التربوي إلى التأمل النقدي في طرائق الاستجابة العادية واليومية، تمكن من تجسيد روح التسامح في التواصل مع الآخر على مستوى الواقع، والقائم على مبدأ القبول والتقدير والاحترام. إن التربية على التسامح، يقود إلى التربية على الديمقراطية، ليست من أجل إعداد الأفراد للحياة في المجتمع والتفاعل مع مكوناته على نحو إنساني شامل، بل من أجل النظر إلى هذه التربية التسامحية بوصفها حياة حيّة وفاعلة يعيشها الأفراد في كل لحظة من لحظات وجودهم وحياتهم الاجتماعية. لكن على الرغم من أهمية الجانب الاجتماعي في ترسيخ قيم التسامح، فإنه يمكن القول: إن المدرسة تبقى الفضاء الحيوي والإستراتيجي لضمان التربية على التسامح، باعتبار المدرسة المعنى الأساسي في إعداد الأفراد للحياة الاجتماعية، كما يكتسبون معنى المواطنة الحقة ودلالاتها.
البرامج المدرسية والتربية على قيم التسامح
تفتقر أغلب البرامج المدرسية اليوم إلى التربية على التسامح، إذ قلما تعتمد المناهج في مجال التربية والتعليم على إستراتيجيات خاصة، تعمل على ترسيخ القيم التسامحية التي تساهم في المجتمعات الإنسانية الحديثة. وتكاد تقتصر التربية المدنية، على تقديم معلومات نظرية حول قيم التسامح وحقوق الإنسان والمواطنة. في حين يحتاج الإنسان اليوم إلى بلورة هذه المعارف في دائرة الحياة الاجتماعية اليومية التي يعيشها الطفل (التلميذ). لهذا، فإن تأصيل هذا التعليم وتحويله إلى طاقة حيّة وحيوية، يتطلب من القائمين على إعداد البرامج المدرسية، إدماج قيم ودلالات ودروس التربية على التسامح ضمن المنهاج المدرسي، وأن كل سياسة تربوية، عليها تزويد المربين بالتوجهات الخاصة والضرورية للتربية على التسامح وللتربية المدنية(4). وثمة عنصر حيوي لا يقل أهمية في هذا المسار، يتجلى في كون التربية على التسامح يجب أن تخضع لعملية تقويم مستمرة ودائمة، من خلال تحسين هذه التربية وتطويرها دون انقطاع.
مما يستوجب تكامل جهود السياسي والمربي (المعلم) في التحضير والتأصيل لعملية استحضار قيم التسامح في إعداد البرامج التربوية، لأن قيم التسامح أداة لمواجهة التنوع والاختلاف، ومشروع ثقافي وتربوي يفرض نفسه في مجتمعات متعددة الثقافات والقوميات والإثنيات. إنه مشروع ثقافي يهدف إلى احتواء التناقضات الاجتماعية والثقافية، وتوظيفها إنسانيًّا في دورة الحياة الديمقراطية، ليستلهم كل أشكال الغنى والخصوبة من صلب التنوع والتعدد. وهذا سيجعل كل مشروع تربوي، قادرًا على أن يغني ويثمر في مجال التربية على التسامح.
نحو إستراتيجية تربوية لترسيخ التسامح
يستلزم ترسيخ قيم التسامح بناء إستراتيجية خاصة من قبل المربين، وذلك من خلال اعتماد مناهج تعليمية متطورة ومتخصصة تساهم في هذا الترسيخ. وتمكن من جعل مهمة تعليم التسامح أمرًا سهلاً وميسورًا وقابلاً للتطبيق تربويًّا. لهذا، يحتاج المجال التربوي إلى إستراتيجية عملية، تمكن من بناء المهارات والقدرات التسامحية عند التلاميذ والطلاب. يتضمن هذا المنهج تحديدًا لمختلف المعايير العملية للفعاليات التطبيقية الممكنة في مجال التسامح، بصورة تتصف بطابع الديمومة والاستمرار. لذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار، أن التربية على التسامح يجب أن تنطلق من التعامل مع القيم الأخلاقية والإيمان بها، بوصفها قيمًا بنيوية تتصف بطابع الاستمرار، وتعلي من شأن الإنسان، وتضع مقامه فوق كل مبدأ آخر، ويتطلب تحقيق ذلك، إستراتيجيات خاصة، نذكر من بينها:
1- تعليم الإستراتيجيات التربوية التي حققت نجاحًا في تأصيل التفرد والأصالة والاكتشاف. كما يستوجب تقديم مجموعة من القواعد التربوية، والمبادئ الحقيقية للمشاركة في الحياة الاجتماعية، التي يمكنها أن تعمل على تطوير الذات والقدرات.
2- تعليم وجهات نظر الآخر، حيث يمكن للطفل أن يتعلم كيف يدافع عن أفكاره، وكيف يقبل أفكار الآخر، وكيف يجب عليه ألا يحاور من أجل هزيمة الخصم، بل من أجل الوصول إلى الحقيقة التي يجب أن تكون فوق كل اعتبار.
3- تعليم الطفل فضيلة الفضول الفكري والمعرفي المتعلق بحياة الآخرين وخصوصياتهم، بحيث تقتصر حدود الفضول على ما هو علمي ومفيد، وكل ما يتعلق بمجال واقعِ وحياة الإنسان عامة.
وتستوجب هذه الإستراتيجيات، إحداث طفرة في التفكير وفي الأنساق التربوية القائمة، وفي أنظمة التعليم السائدة، لأن التربية الحقة لا تكون بالدروس في القاعات والصفوف، بل تكون عبر الحياة وفيها ومنها وإليها. يتحقق هذا، عند وضع التقاليد الصارمة موضع النقد والتحليل والرفض والمساءلة، وبتعليم الناشئة أهمية التحول والصيرورة، مما يقود إلى بناء قيم السلام والأمن والتسامح.
——————–
(*) كاتب وباحث مغربي.
الهوامش:
(١) دراسات في التسامح، ناجي البكوس، وآخرون، ط1، ص:17، المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس 1995م.
(٢) التسامح بين شرق وغرب: دراسة في التعايش وقبول الآخر، سمير الخليل، وآخرون. ترجمة: إبراهيم العريس، ط1، ص:٩٢، دار الساقي، بيروت 1992م.
(٣) التربية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، علي أسعد وطفة، ط1، ص:١٠٣، دار السياسة، الكويت 1998م.
(٤) فعالية وكفاءة المدرسة والتربية من أجل الديمقراطية ونبذ العنف، كليف هاربر، ط1، ص:١٤٢، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الكويت 1998م.