أخبار

مجالس التحديث…..

حينما تُذكر الحضارة الإسلامية ينصرف الذهن غالبًا إلى ما شيدته من عمران، أو إلى ما أنجبته من علماء، أو إلى ما خلَّفته من مؤلفات ومصنفات ملأت الآفاق.. غير أن هذه المظاهر -على أهميتها- لم تكن وحدها التي صنعت تلك الحضارة، بل قامت وراءها فضاءات علمية أسهمت في إنتاج المعرفة ونقلها وتداولها، ومن أبرزها مجالس العلم عامة، ومجالس التحديث خاصة.

فقد احتلت مجالس التحديث مكانة فريدة في القرون الإسلامية الأولى، حتى يمكن عدّها من أبرز المجالس العلمية آنذاك؛ إذ كانت الرواية والإسناد يمثلان الوسيلة الأساسية لنقل المعرفة وتداولها، ولم يقتصر ذلك على العلوم الشرعية وحدها، بل شمل كذلك علوم اللغة والتاريخ وغيرها من المعارف التي كانت تُتلقَّى بالأسانيد، وتُتناقل عبر حلقات السماع. ومن هنا غدت مجالس التحديث إحدى الركائز التي أسهمت في تأسيس الحضارة الإسلامية، وترسيخ بنيتها العلمية والثقافية.

ولعل من أبرز المظاهر الحضارية لهذه المجالس، أنها أدّت دورًا مهمًّا في ربط أجزاء العالم الإسلامي بعضها ببعض، وجمعت علماء الأمة وطلابها تحت مظلة العلم. فقد كان الطالب يشدّ الرحال من العراق أو الشام أو مصر أو غيرها من الأقاليم الإسلامية، ليجلس في مجلس الشيخ نفسه، ويتلقى عنه العلم مع إخوانه القادمين من مختلف البلدان.

وقد أسهمت هذه المجالس في ترسيخ معاني الوحدة والمساواة بين المسلمين؛ فكان الفقير يجلس إلى جوار الغني، ويجلس القادم من أقصى البلاد إلى جوار ابن البلدة نفسها، لا يميز بينهم إلا ما يحملونه من حرص على العلم، ورغبة في تحصيله. وهكذا تحولت مجالس التحديث إلى ملتقًى تنصهر فيه الفوارق الاجتماعية والجغرافية في بوتقة المعرفة، وأسهمت في بناء هوية علمية وثقافية مشتركة للأمة الإسلامية.

ولم تقتصر آثار مجالس التحديث على نشر العلم وتوثيق الصلات العلمية بين أبناء الأمة، بل تجاوزت ذلك لتجسد جانبًا من جوانب التكافل الاجتماعي والتراحم الإنساني، فقد جرت عادة بعض المحدثين أن يكرموا طلابهم بالطعام قبل الشروع في التحديث، إيمانًا منهم بحق الضيف، وحرصًا على الجمع بين غذاء الأبدان وغذاء الأرواح.

ومن الشواهد على ذلك، ما رواه أحد طلاب العلم عن مجلس “محمد بن بكر البُرْسَاني”، إذ قال: “ما أتيت البُرْسَانى قط إلا قال لي: اصبر فإن لي حاجة حتى أخرج إليك، فيخرج إليَّ ومعه طبق فيه تمر جيد، فيقول: كُلْ، فلا يحدثني شيئًا حتى آكل”. كما كان “الحسين بن الوليد” لا يحدّث أحدًا حتى يأكل من فالوذجته (نوع من الحلوى المتميزة). ولم تكن هذه الممارسات مجرد عادات شخصية، بل تعكس روحًا اجتماعية رفيعة سادت بعض مجالس التحديث، حيث امتزجت فيها قيم العلم بقيم الكرم والإحسان، وتحولت تلك المجالس إلى بيئات يتجلى فيها معنى الأخوة والتكافل، إلى جانب وظيفتها العلمية والثقافية.

وكانت مجالس التحديث -كذلك- إحدى الوسائل التي أسهمت في صيانة العقيدة الصحيحة والمحافظة عليها؛ حيث كان بعض الشيوخ يمتنعون عن التحديث لمن عُرف بمخالفة معتقد أهل السنة والجماعة، كما كان طلاب العلم يتحرزون من حضور مجالس من اشتهر بالانحراف العقدي، أو الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الأمثلة على ذلك، ما رواه “سَلْم بن جُنادة” قال: “دخلت على عبيد الله بن موسى لأسمع منه، فإذا هو يقرأ على قوم مثالب عثمان بن عفان، فخرجت ولم أسمع منه شيئًا”. ويُظهر هذا الموقف مدى عناية المحدثين بسلامة المعتقد، وحرصهم على ألا يُؤخذ العلم إلا ممن جمع بين الرواية الصحيحة والاستقامة في الاعتقاد.

ولم يقتصر أثر مجالس التحديث على المحافظة على العقيدة الصحيحة وصيانتها من الانحراف، بل تجاوز ذلك إلى الإسهام في تصحيح معتقدات بعض الرواة وطلاب العلم، وإعادتهم إلى منهج أهل السنة والجماعة.

ومما يؤكد ذلك، ما حكاه “يحيى بن جعفر البيكندي” عندما قال: “كنت مرجئًا، فخرجت إلى الحج، فدخلت الكوفة، فسألت وكيع بن الجراح عن الإيمان، فقال: الإيمان قول وعمل، فلم أستحل أن أكتب عنه. ثم دخلت مكة فسألت سفيان بن عيينة عن الإيمان، فقال: الإيمان قول وعمل، فلم أستحل أن أكتب عنه. ثم دخلت اليمن وجلست في مجلس عبد الرزاق، فلم أسأله عنه، فأُخبر بمذهبي، فلما جلس أصحابي قال لي: يا خراساني، والله لو علمت أنك على هذا المذهب ما حدثتك، اخرُج عني. قال: فقلت في نفسي: صدق عبد الرزاق؛ لقيت وكيع بن الجراح فقال: الإيمان قول وعمل، ولقيت سفيان بن عيينة فقال: الإيمان قول وعمل، فرجعت عن مذهبي، وكتبت عنهما بعد رجوعي من اليمن”. وتكشف هذه الرواية عن الدور التربوي والعقدي الذي اضطلعت به مجالس التحديث، حتى غدت سببًا في رجوع بعض المنتسبين إلى المذاهب المخالفة، إلى ما عليه أهل السنة والجماعة.

ومن جانب آخر، أدت مجالس التحديث دورًا مهمًّا في حماية المجتمع العلمي من الأفكار المنحرفة التي تهدد استقراره ووحدته، كأفكار الخوارج القائمة على الخروج على الأئمة، واستعمال السلاح في مواجهة الدولة ومؤسساتها. وقد انعكس هذا الموقف على حركة التلقي والرواية، إذ كان طلاب الحديث يميزون بين الشيوخ بحسب معتقداتهم ومواقفهم الفكرية، فيُعرِضون عن الأخذ عمن عُرف بتبنّي تلك الآراء. ومن الشواهد على ذلك، ما روي عن “أبي مُسْهر” أنه قيل له: “كيف لم تكتب عن محمد بن راشد؟ فقال: كان يرى الخروج على الأئمة”. وبذلك أسهمت مجالس التحديث في تعزيز الاستقرار الفكري، والحد من انتشار الأفكار التي تُفضي إلى الفتن والاضطرابات.

ومن أبرز ما امتازت به مجالس التحديث، أنها لم تكن موطنًا لتلقي العلم فحسب، بل كانت مدرسة لتربية الطلاب على مكارم الأخلاق وآداب الطلب، حيث كان الطالب يتعلم من سلوك شيخه وهديه، كما يتعلم من روايته وعلمه. وقد أشار الإمام مالك إلى هذا المعنى بقوله: “كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه”. ومن ثم، أحاط العلماء مجالس التحديث بجملة من الآداب التي ينبغي للطالب التحلّي والالتزام بها أثناء حضوره تلك المجالس، ومن جملة هذه الآداب، أن يتحلّى الطالب بحسن الأدب مع الشيخ ومع الحاضرين في مجلسه؛ لأن توقيرهم واحترامهم، من توقير الشيخ وتعظيم مجلس العلم، ولذلك ينبغي له أن يوقر من هو أكبر منه سنًّا أو علمًا، ويحسن معاملة أقرانه ورفقائه، وألا يجلس في وسط الحلقة أو يتقدم على من هو أولى منه بالمكان إلا لضرورة، كما لا يفرق بين اثنين متجاورين أو متصاحبين إلا بإذنهما.

ومن آدابه كذلك، أن يتجنب الكلام الذي لا تعلق له بالدرس، وألا يقاطع غيره أثناء القراءة أو المناقشة، وألا يتحدث بما يشوش على صاحب الدرس أو يقطع عليه بحثه، إلا بإذن الشيخ أو بإذن من يتحدث. وإذا صدر من أحد الطلبة ما يخالف الأدب، فلا يتولى تأديبه أحد من زملائه علانية إلا الشيخ، أو من أذن له الشيخ بذلك، ويكون النصح حينئذ برفق وسرية، أما إذا وقع تجاوز في حق الشيخ أو انتقاص من قدره، فينبغي للحاضرين أن يدفعوا ذلك وينكروا على فاعله بما يحفظ للشيخ قدره ومكانته.

ومن أهم ما ينبغي للطالب أن يحرص عليه، ألا يمنعه الحياء من السؤال عما أشكل عليه، مع مراعاة اختيار الوقت المناسب للسؤال، وألا يسأل عما لا يتعلق بموضع الدرس إلا لحاجة أو إذا علم من حال الشيخ استحسان ذلك.

ومن مراعاة حق الشيخ كذلك، ألا يقرأ عليه أو يطالبه بالتحديث في الأوقات التي يكون فيها مشغول القلب أو ظاهر التعب، كحال الغضب أو الحزن أو الجوع أو العطش أو النعاس أو الإرهاق؛ لأن المقصود من المجلس تحصيل العلم على أكمل وجه، وذلك لا يتحقق إلا مع حضور ذهن الشيخ وتهيئه للتعليم.

وقد بلغ من فقه طلاب الحديث بأحوال شيوخهم ومراعاتهم لمشاعرهم، أنهم كانوا يتركون السؤال وتحمُّل الأحاديث إذا رأوا على الشيخ أمارات المشقة أو الإعياء، ومن ذلك ما رواه أحدهم، قال: “جئنا إلى حماد بن سلمة في يوم حار شديد الحر، وصلينا معه الظهر، وكان حماد صاحب ليل، وظننا أنه صائم قال: فرحمناه مما به من الجهد وأجمعنا على أن ننصرف عنه لا نسأله عن شيء، فتفرقنا وبقي من بقي”. وهذه الآداب مجتمعة، تمثل جانبًا مهمًّا من السلوك العلمي الذي كان يلتزمه طلاب الحديث في مجالس التحديث، وأسهم في حفظ هيبة تلك المجالس وتحقيق مقاصدها العلمية والتربوية.

وبذلك غدا مجلس التحديث -في كثير من صوره- مدرسة للأخلاق بقدر ما كان مدرسة للمعرفة، يتعلم فيه الطالب كيف يصغي قبل أن يتكلم، وكيف يزن الكلمة قبل أن يقولها، وكيف يدرك أن العلم لا يُنال بالذكاء وحده، بل بأدب النفس وحسن الصحبة وطول الملازمة.

وكان المجلس كذلك، مرآة واسعة تتجلّى فيها طبائع البشر وتفاوت أمزجتهم؛ ففيه الشيخ الوقور السمح الذي يأنس الطالب بقربه، وفيه الشديد المهابة أو العَسِر الذي لا يُنال علمه إلا بطول صبرٍ وحسن ملازمة.

ومن جهة أخرى، لم تكن الرحلة العلمية إلى هذه المجالس مجرد انتقال في الجغرافيا، ولا عبور بين البلدان طلبًا للأسانيد والروايات فحسب، بل كانت -في جوهرها- تجربة واسعة تتجاوز حدود التلقي إلى آفاق أرحب من المعرفة بالحياة والناس وأحوالهم. فالذي يخرج من العراق إلى الحجاز، أو يشدّ الرحال من خراسان إلى مكة، لا يعود محمّلًا بالأحاديث وحدها، بل يرجع وفي ذاكرته وجوهٌ لقيها، ولهجاتٌ ألِفَها، وأخبارُ بلادٍ سمعها، وعوائدُ أقوام شاهدها، وتجاربُ بشر خالطهم وعاشرهم.

وكأن الطالب كان يعود من رحلته، وفي نفسه خريطةٌ حيّة للعالم الإسلامي. وبهذا المعنى غدت مجالس التحديث، وما يتصل بها من الرحلات، مدارسَ في تكوين الحس الحضاري، لأنها أورثت الطالب شعورًا عميقًا بالانتماء إلى أمة واسعة الأطراف، متعددة البيئات والألسنة والعوائد، لكنها تلتقي -على تباعد أمصارها- في مقصد جامع، وتنتظم في أفقٍ ثقافي واحد تصوغه المعرفة، ويشدّ أوصاله طلب العلم ورابطة الانتماء إليه.

(*) عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر الشريف / مصر.

المراجع

(١) تاريخ يحيى ابن معين-رواية ابن محرز، المحقق (الجزء الأول): محمد كامل القصار، مجمع اللغة العربية، ط١، دمشق ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.

(٢) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر الدمشقي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ٢٠١٢م.

(٣) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ٢٠١١م.

(٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي، أبو زرعة الدمشقي، تحقيق: شكر الله بن نعمة الله القوجاني، مجمع اللغة العربية، دمشق.

(٥) ترتيب المدارك، القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية.

(٦) المعرفة والتاريخ، أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: أكرم ضياء العمري، رئاسة ديوان الأوقاف بالجمهورية العراقية، بغداد ١٣٩٣هـ/١٩٧٤م.

اترك تعليقاً

إغلاق