أخبار
أطلس الأمراض…

تُعد الجغرافيا الطبية من الفروع المهمة في الجغرافيا البشرية، وقد أولت المؤسسات الطبية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، اهتمامًا كبيرًا بهذا المجال، فشرعت في إصدار الأطالس التي تُعنى بتوزيع الأمراض وفق الأقاليم أو الدول، أو بالتفصيل داخل الدولة الواحدة. ومن أبرز هذه الأطالس أطلس الأمراض المعدية للإنسان، الصادر باللغة الإنجليزية تحت عنوان: “Atlas of Human Infectious Diseases”
تنشأ الأمراض المعدية (Infectious Diseases) عند دخول أجسام غريبة ملوثة إلى جسم الإنسان. وتتمثل هذه الأجسام في الجراثيم، والفيروسات، والفطريات، والطفيليات. وتنتقل هذه الملوثات عن طريق العدوى من إنسان إلى آخر، أو من الحيوانات، أو من الطعام الملوث، أو نتيجة التعرض لعوامل بيئية ملوثة.
وتتسبب هذه العدوى في ظهور أعراض متعددة، من أبرزها ارتفاع درجة حرارة الجسم، والآلام المختلفة، إلى جانب أعراض أخرى تختلف باختلاف موضع الإصابة، ونوع العدوى، وشدتها. فقد تكون العدوى خفيفة لا تحتاج إلا إلى علاج منزلي، وقد تكون خطيرة تؤدي إلى الوفاة.
وتشمل الأعراض الشائعة لمعظم الأمراض المعدية ما يأتي:
- ارتفاع درجة حرارة الجسم (الحمى).
- فقدان الشهية.
- الشعور بالضعف العام.
- آلام العضلات.
وتتعدد مسببات الأمراض المعدية، ومن أهمها:
الجراثيم (Bacteria): وهي كائنات حية وحيدة الخلية، تتسبب في طيف واسع من الأمراض، يبدأ بالأمراض البسيطة، مثل التهاب الحلق العقدي، والتهابات المسالك البولية، وينتهي بالأمراض الشديدة، مثل أنواع الحمى المختلفة، والتهاب السحايا.
الفيروسات (Viruses): الفيروس كائن دقيق أصغر من الجرثومة، ولا يستطيع الحياة بصورة مستقلة. وتتسبب الفيروسات في أمراض عديدة، منها الشائعة، مثل نزلات البرد، ومنها النادرة والخطيرة، مثل مرض الإيدز.
الفطريات (Fungi): تتسبب الفطريات غالبًا في الأمراض الجلدية، مثل سعفة الرأس (Tinea capitis) وفطريات القدم، وقد تصيب كذلك أعضاء داخلية، مثل الجهاز التنفسي والجهاز العصبي.
الطفيليات (Parasites): تسبب الطفيليات أمراضًا، مثل الملاريا والعمى النهري (River Blindness)، وهي أقل انتشارًا في الدول الغربية.
وقد تنتقل العدوى عن طريق الملامسة المباشرة، وذلك عند الاحتكاك بشخص مصاب أو حامل للعامل الممرض، سواء من خلال التلامس المباشر أو عبر سوائل الجسم، أو عن طريق السعال والعطس.
كما قد تكون بعض الحيوانات حاملة للعوامل الممرضة، فتنتقل العدوى إلى الإنسان عن طريق العض، أو ملامسة إفرازات الحيوان المصاب.
وقد تنتقل العدوى أيضًا من الأم إلى الجنين عبر المشيمة أو الحبل السري أثناء الحمل، أو خلال الولادة عبر قناة الولادة.
ومن الممكن كذلك انتقال العدوى بصورة غير مباشرة، عندما يكون الناقل حاملاً للعامل الممرض دون أن تظهر عليه أعراض المرض، وذلك من خلال:
- ملامسة الأسطح الملوثة.
- تناول طعام ملوث.
- التعرض لناقلات الأمراض، مثل البعوض، والبراغيث، والقمل.
وجميع الأشخاص معرضون للإصابة بالأمراض المعدية، إلا أن خطر الإصابة يكون أكبر لدى ذوي المناعة الضعيفة، ومنهم:
- المصابون بأمراض المناعة الذاتية.
- المرضى الذين يتلقون العلاج الكيميائي.
- مرضى زراعة الأعضاء.
- المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV/الإيدز).
وفي كثير من الحالات تنتهي العدوى سريعًا دون الحاجة إلى علاج خاص، وقد لا يشعر المصاب بأي أعراض، إلا أنه قد تحدث مضاعفات مختلفة.
وقد تؤدي بعض أنواع العدوى إلى أضرار دائمة في أعضاء الجسم، مثل التهاب الكلية والحويضة (Pyelonephritis)، أو إلى مضاعفات في أعضاء أخرى، كما يحدث في الحمى الروماتيزمية (Rheumatic Fever). كما توجد أنواع من العدوى تزيد من خطر الإصابة بأمراض أخرى، مثل فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، الذي يزيد من احتمالية الإصابة بسرطان عنق الرحم.
ولأن الأمراض المعدية قد تصيب أجهزة مختلفة من الجسم، فإن وسائل التشخيص تختلف تبعًا للحالة السريرية التي يقدرها الطبيب، ومن أهمها:
– اختبار الدم: إذ يمكن الكشف عن وجود عدوى من خلال تعداد خلايا الدم البيضاء، وقد يكون هذا الفحص كافيًا أحيانًا لتحديد نوع العدوى.
– اختبار البول: ويعد مهمًّا خصوصًا في تشخيص التهابات الجهاز البولي، كما قد يساعد في الكشف عن بعض أنواع العدوى الأخرى.
– مسحة الحلق: وتستخدم عادة لتشخيص التهابات الحلق وبعض أمراض الجهاز التنفسي.
– الفحوصات التصويرية: مثل الأشعة السينية (X-ray)، والتصوير المقطعي المحوسب (CT)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI).
– الخزعة (Biopsy): وذلك بأخذ عينة من النسيج المصاب لإجراء الفحوص اللازمة.
وتختلف طرق العلاج باختلاف نوع العامل المسبب للعدوى.
ففي حالات العدوى البكتيرية تُستخدم المضادات الحيوية (Antibiotics)، ويحتاج كل نوع من البكتيريا إلى مضاد حيوي مناسب. وتتمثل المشكلة الرئيسة في الإفراط في استخدام المضادات الحيوية؛ لأنه يؤدي إلى زيادة مقاومة البكتيريا لها، ولذلك ينبغي استخدامها بصورة رشيدة وتحت إشراف طبي.
أما الأمراض الفيروسية، فتعالج باستخدام مضادات الفيروسات (Antiviral)، إلا أنه لا يوجد حتى الآن علاج نوعي لجميع الفيروسات. وتتوفر علاجات لبعضها، مثل فيروس الهربس (Herpes)، وفيروس الإنفلونزا، وفيروسات التهاب الكبد (Hepatitis)، وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV).
وفي حالات العدوى الفطرية، تتوافر وسائل علاج متعددة؛ إذ تُستخدم المراهم الموضعية لعلاج الالتهابات الجلدية، بينما تُستخدم الأدوية المضادة للفطريات (Antifungal)، التي تؤخذ عن طريق الفم أو الحقن الوريدي، لعلاج الإصابات التي تصيب الأعضاء الداخلية.
أما العدوى الطفيلية، فتوجد لها علاجات متخصصة، ومن أشهرها علاج الملاريا باستخدام الكينين (Quinine) ومشتقاته.
الوقاية من الأمراض المعدية
يمكن اتباع العديد من الخطوات التي تسهم في تقليل خطر الإصابة بالأمراض المعدية، ومن أهمها:
– غسل اليدين: خاصة قبل تناول الطعام، وبعد ملامسة الأطعمة غير المطهية، وقبل إعداد الوجبات، وبعد مخالطة المرضى، وبعد استخدام دورة المياه.
– تلقي التطعيمات: تتوافر تطعيمات عديدة للوقاية من كثير من الأمراض المعدية التي تسببها الجراثيم أو الفيروسات، ويعد الحصول عليها أمرًا بالغ الأهمية، ولا سيما للأطفال وكبار السن.
– الحفاظ على نظافة المطبخ: خاصة أثناء إعداد الطعام، مع تجنب ترك الأطعمة غير المطهية لفترات طويلة دون حفظها في درجات حرارة مناسبة.
– ممارسة الجنس الآمن: من المهم الالتزام بممارسات جنسية آمنة ومشروعة؛ للوقاية من انتقال الأمراض المعدية المنقولة جنسيًّا.
توصيف أطلس الأمراض المعدية للإنسان
يقع أطلس الأمراض المعدية للإنسان في خمسة أقسام رئيسة، تشمل:
- الأمراض المعدية للإنسان.
- الإصابات البكتيرية.
- الالتهابات الفطرية.
- الإصابات الطفيلية.
- الإصابات الفيروسية.
ويضم الأطلس 177 خريطة رقمية ملونة، تُحدَّث بصورة مستمرة، وتوضح التوزيع المكاني للأمراض المعدية بصفة خاصة، والأمراض بصفة عامة. وتمتاز الخرائط والأشكال البيانية بجودة عالية وسهولة القراءة والتفسير، وتعرض التوزيع المكاني لأنواع عديدة من الأمراض والفيروسات والفطريات والبكتيريا، مع بيان موطنها الأصلي.
ويرافق كل خريطة ملخص يشتمل على معلومات أساسية عن المرض، مثل:
- تصنيف المرض.
- الأسماء المرادفة له.
- فترة الحضانة.
- تطور المرض.
- طرق انتقاله.
- وسائل الوقاية منه.
- النتائج السريرية.
- أساليب العلاج.
- مصادر الخرائط والمراجع العلمية.
وقد خضعت جميع هذه المعلومات للمراجعة من قبل خبراء الأمراض المعدية من مختلف أنحاء العالم.
وتوضح الخرائط كذلك التوزيع المكاني للمرض، ومستويات الخطورة، وتطور انتشاره، كما يرافق كل خريطة عرض موجز يبين سبب المرض، وفترة حضانته، وهي المدة الزمنية الفاصلة بين التعرض للعامل الممرض وظهور أعراض المرض، إضافة إلى النتائج السريرية، ووسائل الوقاية، والعلاج الموصى به.
وقد رتبت خرائط الأطلس ترتيبًا أبجديًّا، ويُعد علم الأوبئة المصدر الرئيس للمعلومات الواردة فيه.
كما يتضمن الأطلس خرائط ونشرات تتناول موضوعات متعددة، منها:
- السكان.
- الكثافة السكانية.
- العمران.
- الأحياء الحضرية الفقيرة.
- الربط العالمي عبر البحار والمحيطات.
- خطوط الطيران.
- الناتج المحلي الإجمالي.
- متوسط العمر المتوقع.
- وفيات الأطفال.
- سوء التغذية.
- المناخ.
- استخدام المضادات الحيوية، خاصة في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا.
وفي القسم الثاني، المعنون الإصابات البكتيرية (Bacterial Infections)، يعرض الأطلس عددًا كبيرًا من الأمراض، منها على سبيل المثال لا الحصر:
الجمرة الخبيثة (Anthrax)، والتسمم الوشيقي (Botulism)، والكوليرا (Cholera)، والدفتيريا (Diphtheria)، والجذام (Leprosy)، والسعال الديكي (Pertussis)، والطاعون (Plague)، والكزاز (Tetanus).
أما القسم الثالث، الخاص بالإصابات الفطرية (Fungal Infections)، فيضم ست خرائط فقط، وهو بذلك أصغر أقسام الأطلس.
ويشتمل القسم الرابع، الخاص بالإصابات الطفيلية (Parasitic Infections)، على ثلاثين خريطة نوعية وكمية، أُعدت اعتمادًا على البيانات الإحصائية.
أما القسم الخامس، المعنون الإصابات الفيروسية (Viral Infections)، فيضم 47 خريطة ملونة وأشكالاً توضيحية عالية الجودة، تعرض التوزيع المكاني للفيروسات وموطنها الأصلي، ويرافق كل خريطة ملخص يتضمن معلومات أساسية عن الفيروس، مثل:
- تصنيفه.
- أسمائه المرادفة.
- فترة الحضانة.
- مراحل تطوره.
- طرق انتقاله.
- وسائل الوقاية.
- النتائج السريرية.
- العلاج.
- مصادر الخرائط.
خاتمة
وفي الختام، يمكن القول إن أطلس الأمراض المعدية للإنسان يُعد من أهم المراجع في مجال الجغرافيا الطبية، كما يُعد علم الأوبئة المصدر الرئيس للمعلومات الواردة فيه، إلى جانب إسهامات ومراجعات نخبة من المتخصصين في علوم البيئة، والأوبئة، والأحياء، والصحة العامة.
وقد اختتم الأطلس بعدد من التوصيات، من أبرزها ضرورة التوجه إلى الطبيب في الحالات الآتية:
- التعرض لعضة حيوان.
- صعوبة التنفس.
- استمرار السعال لأكثر من أسبوع.
- الإصابة بصداع شديد.
- حدوث نوبات أو تشنجات.
- ظهور طفح جلدي أو تورمات.
كما أكد الأطلس أن الوقاية من الأمراض المعدية تعتمد على الالتزام بالنظافة الشخصية والعامة، والابتعاد عن مخالطة المصابين بالأمراض المعدية، مع اتباع الإرشادات الصحية المناسبة للحد من انتشار العدوى.