أخبار

موقف الإسلام من…

شدَّد الإسلام على نبذ العنف ضد الأطفال داخل الأسرة، وحثَّ على الرفق والرحمة في معاملتهم. ومن الأحاديث الواردة في ذلك قول رسول الله ﷺ: «عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش»، وقوله ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه».

1- العنف ضد الطفل قبل الولادة

اتفقت كلمة الفقهاء على أن إسقاط الحمل بعد نفخ الروح فيه حرام، ولا يحل لمسلم أن يفعله؛ لأنه جناية على نفس حية، ولذلك وجبت فيه العقوبة. أما إسقاطه قبل نفخ الروح، فقد رأى فريقٌ أنه جائز؛ توهمًا منهم أنه لا حياة فيه، فلا جناية بإسقاطه ولا حرمة. والتحقيق أنه حرام؛ لأن فيه حياةً محترمة، هي حياة القبول والاستعداد.

وقد قال الإمام الغزالي: «إنه جناية على موجود حاصل، وإن أول مراتب الوجود أن تقع المادة في الرحم، وتختلط بالبويضة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، وتعظم الجناية كلما انتقلت المادة من طور إلى طور، حتى تصل إلى منتهاها بعد الانفصال حيًّا… ومن هنا وجب حمل القول بالإباحة على حالة ترتب الضرر الفادح، كموت الأم إذا لم يُسقط الجنين». ومما يؤسف له أن إجهاض الأجنة الإناث لا يزال شائعًا في بعض الدول، ومنها الصين والهند، ويجري في بعض الحالات بنصوص قانونية.

وقد سبقت الشريعة الإسلامية جميع التشريعات في تحريم قتل الأولاد؛ إذ حرَّم القرآن الكريم وأد البنات الذي كان منتشرًا في الجاهلية، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾(التكوير: 8-9). كما حرَّم قتل الأولاد خشية الفقر، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾(الإسراء: 31). فإذا كانت الشريعة قد حرَّمت قتل الأولاد خوفًا من الفقر، فمن باب أولى تحريم تعذيبهم أو الاعتداء عليهم بما قد يفضي إلى قتلهم.

كما أن مسؤولية الزوج عن إسقاط الجنين نتيجة العنف أو الضرب لا تتقرر في القانون الجنائي إلا في حالتي العمد أو القصد الاحتمالي، بينما تتقرر المسؤولية في الشريعة الإسلامية في حالات العمد، وشبه العمد، والخطأ جميعًا.

2- النهي عن الدعاء على الأولاد وعن ضربهم

قال رسول الله ﷺ: «لا تدعوا على أولادكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم».

فقد نهى الشرع عن الدعاء على الأولاد، فضلاً عن نهيه عن ضربهم، إلا في حالة واحدة، وهي التأديب على ترك الصلاة، باعتبارها أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين وعمود الدين، ويكون ذلك بعد بلوغ الطفل سن العاشرة، أما قبل هذا العمر فلا يجوز ضربه.

فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «مُروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع».

وتبرز في هذا التوجيه دقة الشريعة الإسلامية، وحرصها على الحفاظ على تماسك الأسرة، وصيانة الصحة النفسية للأطفال، بعيدًا عن الخوف والعنف.

3- الأمر بالإحسان إلى البنات

تمتاز معاملة الأطفال في الإسلام بالرقة والحنان والشفقة، والعناية والتوجيه. ولا تقتصر التربية الصالحة على حب الأبناء الذكور، بل تمتد إلى حب البنات، وعدم التضجر من ولادتهن.

وقد حثَّ النبي ﷺ على الإحسان إلى البنات وتربيتهن، وجعل لمن يحسن إليهن منزلةً عظيمة. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين»، وضم أصبعيه.

وكان من هديه ﷺ الرحمة بالأطفال وحسن معاملتهم. ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن الأقرع بن حابس رأى النبي ﷺ يقبِّل الحسن، فقال: «إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا». فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «من لا يرحم لا يُرحم».

4- الولاية في الزواج

اتفق جمهور الفقهاء، ما عدا الحنفية، على اشتراط وجود الولي في عقد النكاح، وأن كل عقد يخلو من الولي يقع باطلاً. واستدلوا بقول رسول الله ﷺ: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له». كما استدلوا بحديثه ﷺ: «لا نكاح إلا بولي».

وعلى هذا، ليس للمرأة أن تباشر عقد النكاح بنفسها، سواء كانت صغيرة أم كبيرة، عند جمهور الفقهاء.

كما اتفق جمهور الفقهاء على تقسيم الأولياء إلى وليٍّ مُجبِر ووليٍّ غير مُجبِر، بينما يرى الحنفية أن ولاية الإجبار لا تكون إلا على الصغير والصغيرة ومن في حكمهما. وجاء في المذهب الحنفي: «لا يجوز للولي إجبار البكر البالغة على النكاح، وإذا استأذنها فسكتت أو ضحكت فذلك إذن منها، وإن أبت لم يزوجها»، وهو ما يحقق كرامة الفتاة ويحفظ إنسانيتها.

واشترط الشافعية في الأب الذي يُجبر ابنته على الزواج عدة شروط، منها:

– ألا تكون بينه وبينها عداوة ظاهرة.

– أن يزوجها من كفء، وبمهر مثلها.

– ألا يكون الزوج معسرًا بالمهر.

– ألا يزوجها بمن تتضرر بمعاشرته، كالأعمى أو الشيخ الهرم.

5- تأديب الأطفال

يُعد التأديب مفهومًا أساسيًّا من مفاهيم التربية، وهو ضرورة حياتية للأبناء، كما أنه حقٌّ من حقوق الطفل؛ لقول رسول الله ﷺ: «من وُلد له ولد فليُحسن اسمه وأدبه»، وقوله ﷺ: «لأن يؤدب الرجل ولده خيرٌ من أن يتصدق بصاع».

والتأديب ليس عملاً انتقاميًّا ضد الطفل، وإنما هو وسيلة تربوية ذات هدف تربوي. ويشترط في التأديب جملة من الضوابط، منها: ألا يمس كرامة الطفل التي كفلها الشرع، وألا يتجاوز حدود التأديب المشروع، وألا يحث على ممارسة أمور تأباها الأخلاق.

ومن هذه الضوابط أيضًا ألا يكون الضرب قبل بلوغ الطفل العاشرة من عمره؛ لقول الرسول ﷺ: «مُروا الصبيان بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع». كما ينبغي ألا يلجأ المربي إلى الضرب إلا بعد استنفاد جميع الوسائل التأديبية والزجرية، وأن يتجنب ضرب المواضع المؤذية؛ كالرأس والوجه، لما قد يترتب على ذلك من ضرر، امتثالاً لقول الرسول ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار». ومن الضوابط كذلك أن يتولى المربي بنفسه تأديب ولده، وألا يترك ذلك لأحد من إخوته؛ حتى لا تتأجج بينهم مشاعر الحقد والنزاع.

ولعل أكثر صور العنف الأسري الموجَّه للأطفال تُمارَس باسم التأديب، وهي في حقيقتها ظلم يقع على الطفل، ولا سيما إذا كان دون العاشرة من عمره؛ إذ لا يجوز ضربه حينئذٍ لا شرعًا ولا تربويًّا. وكثير ممن يعترفون بممارسة هذا السلوك يقرون بأن سببه ضعف النفس وقلة الحلم. وليس لطباع الغضب دواء أنفع من التحلُّم؛ فقد ورد في الحديث الحسن عن رسول الله ﷺ: «إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلُّم، ومن يتحرَّ الخير يُعطه، ومن يتَّق الشر يُوقه». ولذلك لا بد من وضع معايير واضحة للتأديب.

شروط العقاب

– أن يكون الهدف من العقاب منع تكرار السلوك غير المرغوب فيه.

– أن يتناسب العقاب، من حيث الشدة والوسيلة، مع نوع الخطأ.

– أن يعرف الطفل سبب العقاب.

– أن يقتنع الطفل بأنه ارتكب فعلاً يستوجب العقوبة.

– أن معاقبة الطفل باستمرار تؤدي إلى كراهية المنزل، وقد تزيد الفوضى بدلاً من القضاء عليها.

– تجنب أساليب التهكم والإذلال الشخصي؛ لأنها تورث الأحقاد.

وفي حالة اللجوء إلى العقاب البدني، يجب مراعاة الضوابط الآتية:

– التأكد من وقوع الخطأ ومن شخصية الفاعل.

– عدم الضرب في حال الغضب.

– الحرص على عدم إلحاق الأذى بالطفل.

– تجنب المناطق الحساسة في الجسم؛ كالوجه والرأس والغدد.

– عدم تنفيذ العقاب البدني أمام الناس؛ لما في ذلك من جرح لمشاعر الطفل وكرامته.

– الحرص على عدم تكرار العقاب البدني؛ لما يترتب عليه من أضرار كثيرة.

وعلى المربي أن يضع في اعتباره قبل إيقاع العقاب ما يأتي:

– أن ضرر العقاب البدني غالبًا أكثر من نفعه.

– أن النفع ـ إن تحقق ـ يكون مؤقتًا، ويزول بغياب من يوقع العقاب.

– أن العقاب قد يصبح حافزًا لتكرار الخطأ.

– أن الخوف من العقاب قد يدفع الطفل إلى الكذب أو الغش أو غيرهما من وسائل الإفلات.

– عدم التركيز على الجوانب السلبية لدى الطفل، مع إغفال جوانبه الإيجابية.

ومن أبرز نتائج أبحاث التربويين وعلماء النفس في هذا المجال ما يأتي:

– يعتقد كثير من الآباء والأمهات أن الضرب يضع حدًّا نهائيًّا لأخطاء الطفل وتمرده، لكن الحقيقة أنه لا يغيِّر سلوكه، بل قد يسبب اضطرابًا في العلاقة بينه وبين والديه.

– الآباء والأمهات الذين يلجؤون إلى العقاب يبعدون أبناءهم عنهم؛ إذ يعمد الأبناء إلى تقليل تواصلهم مع والديهم خوفًا من العقاب، مما يعطل دور الأسرة في التربية السليمة.

– قد يحدُّ الضرب المفرط من بعض السلوكيات السيئة مؤقتًا، لكنه لا يهذب السلوك، لأنه يعلِّم الطفل ما ينبغي تجنبه، ولا يرشده إلى ما ينبغي فعله.

– الاعتماد المستمر على العقوبة غير المنضبطة يفقدها قيمتها وفاعليتها مع تقدم الطفل في العمر؛ فالأساليب التي تردعه في الخامسة أو السابعة قد لا تؤثر فيه إذا بلغ الحادية عشرة.

– العقوبة الشديدة قد تزرع في نفوس الأبناء مشاعر النقمة والرغبة في الانتقام ممن يعاقبهم، ولو كان والدهم.

ومن ثم، فإن استخدام الشدة في التربية وسيلة غير ناجحة، ولا يمكن أن تعالج أخطاء الأبناء معالجة حقيقية، وقد أثبتت التجارب فشلها في حل المشكلات التربوية؛ لأنها ليست أسلوبًا عقلانيًّا ولا نهجًا إنسانيًّا، وإن كانت قد توقف السلوك الخاطئ مؤقتًا.

أما البدائل التربوية للضرب فهي كثيرة، ومن أهمها:

– التغاضي عن الهفوات اليسيرة غير المتكررة؛ لأن الالتفات إليها قد يعززها لدى الطفل ويجعلها وسيلة لجذب الانتباه.

– إظهار عدم الرضا واستنكار السلوك إذا تكرر.

– العتاب الرقيق الذي يجمع بين عبارتي: «أحبك» و«أخاف عليك».

– توجيه اللوم على انفراد، دون إهانة أو انتقاص من قدر الطفل.

– الإنذار، على أن يكون نادر الاستخدام.

– التهديد بعقوبة واضحة وصادقة التنفيذ، كأن يقال: إذا ضربت أخاك الصغير ظلمًا، فستُحرم يومًا كاملاً من لعبتك.

– الحرمان من بعض الامتيازات، دون أن يتحول إلى حرمان مؤذٍ، كحرمانه من اللعب بألعابه أو مع أصدقائه، أو من الخروج للتنزه.

– الغرامة المالية، بإلزامه بقيمة ما أتلفه.

– تذكير الطفل بأن بعض الذنوب لها عقاب عند الله، مثل تأخير الصلاة أو عقوق الوالدين.

إن للعنف آثارًا سلبية كثيرة على الطفل؛ فمن جهة، يطبعه على استخدام العنف بوصفه وسيلة لحل المشكلات، مما يجعله يواجه كثيرًا من التحديات عند التعامل مع قضايا الحياة المختلفة، وينعكس ذلك سلبًا على شخصيته، وقد يكون سببًا من أسباب فشله في المستقبل.

ومن جهة أخرى، يزرع في نفسه مشاعر الضغينة والحقد تجاه من يعيش معهم، ولا سيما إذا لم يدرك أسباب القسوة التي يتعرض لها، أو شعر بأن من حوله لا يفهمون ظروفه ولا يستوعبون واقعه.

ومن جهة ثالثة، يخلق في داخله الخوف والرهبة من الآخرين، فيصبح هذا الخوف مؤثرًا في قراراته الحياتية، وربما قاده إلى الانحراف في اختياراته مستقبلاً.

كما قد يدفعه هذا الأسلوب إلى التحدي والتمرد ورفض ما يطرحه الآخرون، مهما كان صوابًا، إذا أُتيحت له فرصة الاختيار؛ تعويضًا عن الضغط النفسي الذي خلفه العنف في داخله، وسعيًا لاسترداد كرامته التي شعر بأنها قد أُهدرت، ولو كان ذلك من خلال علاقته بوالديه أو بأقرب الناس إليه.

اترك تعليقاً

إغلاق