أخبار
القيادة استثمار…

القيادة ليست أن تسير في المقدمة فقط، بل أن تضيء الطريق لمن يسيرون معك. فالقائد الحق هو من يؤمن أن الاستثمار في الإنسان هو البداية لكل إنجاز عظيم، لكن كيف نأمل من شباب العصر أن يكتسبوا خبرة القيادة إذا ظلوا بعيدين عن مواقع المسؤولية؟ وكيف نصل إلى مستقبل قوي مع استبعاد الشباب بحجة حداثة السن؟
إن صناعة القائد تبدأ من الثقة ومنح الفرصة وتوفير البيئة التي تصقل المهارات. وإذا كنا نتحدث عن القيادة، فإن أول من ينبغي أن يتوجه إليهم النظر هم الشباب؛ لأنهم عدة المستقبل ورهان الغد، ولقد كان النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم في بداية دعوته محاطًا بالشباب، مثل أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وأسامة بن زيد رضي الله عنهم أجمعين.
صناعة القادة
في كل أمة لحظات مفصلية تحدد مسارها، ولحظات تحتاج فيها إلى من يقود الركب، ويضيء الطريق، ويحوّل الطاقات المبعثرة إلى قوة هادرة، وليست القيادة مجرد منصب يتربع فيه المرء على عرش القرار، إنما هي فنّ صناعة الإنسان وهي صناعة ثقيلة، لا تقل أهمية عن صناعة السلاح أو بناء العمران، بل تفوقها أثرًا؛ لأنها تصنع العقول والقلوب التي تحمل العمران، وتبني السلاح، وتكتب للتاريخ حضارته.
حين بُعث النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، لم يكتف بتبليغ الرسالة، إنما صنع جيلاً من القادة الذين حملوا النور إلى العالم؛ فقد أعدَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه بثباته وحكمته، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدله وحزمه، وعثمان بن عفان رضي الله عنه بسخائه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بعلمه وشجاعته. وهؤلاء الأربعة كانوا نموذجًا عمليًّا لنجاح التربية النبوية في تحويل الأفراد إلى قادة للأمة والدعوة والحضارة.
وفي زمن ضعفت القيم وزادت الفتن، برز عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ليعيد بوصلة الأمة إلى نهج العدل والرحمة، لم يرث القيادة فحسب، بل أعاد تعريفها بأنها أمانة ومسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، فحوّل الخلافة إلى مدرسة في الزهد والإصلاح، حتى قيل إن في عهده لم يُوجد من يأخذ الزكاة، وهو شاهد على أن القائد الحقيقي يصنع نهضة بالقيم قبل القرارات.
وفي زمن الانقسام والتشتت، استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يوحّد الصفوف ويربط بين العقيدة والعمل، ويزرع في الناس روح الجهاد والكرامة. كان بطلاً في الميدان، وكان مربيًا للقادة من حوله، حتى غدت دولته مصنعًا للرجال المؤمنين بالفكرة والمصير. لقد أثبت أن القيادة ليست في السيف وحده، بل في الرؤية التي تصنع الرجال قبل المعارك.
ومن هنا كانت صناعة القادة ضرورةً وجودية، فهي تمثل الرصيد الحضاري لأي أمة، والمعيار الحقيقي لقوتها وضعفها. وإذا كانت الأمم تقاس بما تملك من ثروات ومعادن، فإن الثروة الأعمق والأبقى هي ثروة الإنسان، وبالأخص ذلك الإنسان الذي تهيأ ليكون قائدًا يوجّه الطاقات ويحفظها من التبدد.
القائد مرآة الـمجتمع وروحه
القائد مرآة تعكس صورة المجتمع، وصوت يُترجم أحلامه، وعقل يُخطط لمستقبله.. فالقائد الناجح يجعل من الجموع المتفرقة صفًّا واحدًا، ومن الطاقات الصغيرة مشروعًا حضاريًّا ضخمًا، ومن الإرادات المشتتة إرادة موحدة قادرة على اقتحام العقبات.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش بين أصحابه لا فوقهم، يسمعهم كما يسمعونه، ويشاورهم في أدق الأمور، حتى قال الله تعالى له: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)(آل عمران:159)، وهذه القيادة التشاركية، جعلته مرآةً صافية لروح المجتمع الإسلامي الناشئ، فكلما ازداد الناس قربًا منه ازدادوا نضجًا ووعيًا. ولم يعتمد صلى الله عليه وسلم على سلطته النبوية فقط، بل ربّى قادةً من داخل الأمة نفسها، فأصبحوا قادة للجيوش. وجعل من فقراء مكة بُناة حضارة وسعت الأرض رحمة وعدلاً، فكانت قيادته ترجمةً حقيقية لروح الأمة وعدالة رسالتها.
ولقد علمنا التاريخ أن القيادة ليست حكرًا على من يملكون الكاريزما الفطرية وحدها، إنما هي علم وفن تحتاج إلى تنمية وتدريب وصقل دائم.. فقد يولد الإنسان بصفات قيادية أولية، لكن إن تُركت بلا رعاية ضاعت سدى، وإن صُقلت بالتجربة والعلم تحولت إلى نور يضيء الطريق.
القيادة في السيرة النبوية
تظل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مدرسة في صناعة القادة؛ لقد لمَس الشباب في دعوته عليه الصلاة والسلام روحًا تستجيب لطبيعتهم، فلم يجدوا حواجز تحول بينهم وبين نداء الحق. وكان صلى الله عليه وسلم يحتضن طاقات الشباب ويوجههم ويفتح أمامهم آفاق المسؤولية.
أسامة بن زيد رضي الله عنه يقود جيشًا عظيمًا، وسلمان الفارسي رضي الله عنه يقترح حفر الخندق في لحظة مصيرية فيُغيّر مجرى معركة الأحزاب، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه يصبح حبر الأمة وهو شاب يافع، ومصعب بن عمير رضي الله عنه أول سفير في الإسلام.. إنها أمثلة خالدة تبرهن على أن القائد العظيم، يصنع قادة، ويبني رجالاً يواصلون الطريق من بعده.
مهارات القيادة: العقل والقلب واليد
القيادة منظومة متكاملة من المهارات، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات:
١- المهارات العقلية: وهي القدرة على التفكير العميق وصياغة الرؤية ووضع الخطط، والبحث عن بدائل خلاقة للمشكلات المعقدة، حيث إن القائد المفكر بالإضافة إلى اكتفائه برؤية الحاضر، يملك أيضًا نظرة استباقية للمستقبل.
لقد أظهر النبي عليه الصلاة والسلام العمق الفكري والرؤية الإستراتيجية حين قبِل بشروط صلح الحديبية التي بَدَتْ مجحفةً في ظاهرها، لكنها كانت خطوة عبقرية مهدت لانتشار الإسلام سلميًّا، وأثبتت أن القائد الحقيقي لا ينظر بعين الانفعال، إنما بعين المستقبل. لقد كانت تلك الحادثة نموذجًا للعقل القيادي الذي يرى ما وراء اللحظة، ويحوّل الخسارة المؤقتة إلى نصر دائم.
٢- المهارات الوجدانية: وهي القدرة على احتواء الآخرين نفسيًّا وعاطفيًّا وبناء الثقة معهم، وإظهار التقدير وتجاوز الزلات.. فالقائد الذي يخاطب القلب قبل العقل، يستطيع أن يحرك الجموع بإخلاص، ويحول الطاقات الخام إلى مشاريع ناجحة.
وحين أخفق خالد بن الوليد رضي الله عنه في تحقيق النصر يومًا، لم يوبّخه النبي صلى الله عليه وسلم، بل قال عنه: “نعمَ عبدُ الله خالدُ بن الوليد، سيفٌ من سيوف الله” (رواه الترمذي)، بهذه الكلمة احتوى مشاعر خالد بن الوليد رضي الله عنه وجيشه، وبثّ فيهم الثقة، فتحوّل الإخفاق إلى دافع للنصر في المعارك التالية. وهنا يتجلّى دور القائد الذي يدير العواطف كما يدير الخطط، فيصنع الولاء بالمحبة لا بالخوف.
٣- المهارات العملية: وهي القدرة على العمل بروح الفريق وإدارة الخلافات واكتشاف المواهب وصقلها، والتواصل الفعّال بالحوار والتفاوض والإقناع، ومن لا يتقن هذه المهارات يبقى قائدًا شكليًّا لا روح فيه.
حين تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يعتمد على هيبة الخلافة والحكم وحدهما، بالإضافة إلى ذلك راح يعمل بجد ونشاط؛ فأنشأ نظام الدواوين، ونظّم بيت المال، ووضع آلية للمحاسبة وتقييم الولاة.. كان يخرج بنفسه إلى الأسواق ليتابع أحوال الناس ويستمع إلى شكواهم، ويعالج الخلاف بالحوار، فكانت قيادته مثالاً على المهارة العملية التي تجمع بين الإدارة الميدانية والتواصل الإنساني الفعّال.
القيادة الإيجابية من النظرية إلى التطبيق
القائد الإيجابي لا يقف عند حد إدارة الأفراد، بل يسعى إلى تعديل سلوكهم وإعادة تشكيل اهتماماتهم بما يرتقي بهم إنسانيًّا وروحيًّا؛ فحين جاء ذلك الشاب يستأذن في الزنا، لم يزجره عليه الصلاة والسلام، إنما خاطبه بالعاطفة فقال له: “أترضاه لأمك؟”، حتى انقلب قلب الشاب مقتنعًا نادمًا. إنها قمة القيادة المؤثرة التي تغيّر القناعات قبل الأفعال.
ولعل من أهم أسرار القيادة الناجحة، أن يدرك القائد أن التقدير المعنوي قد يفوق المادي، ويكفي أن يُنادى المرء بلقب يحفظه له التاريخ، كالصدّيق، الفاروق، ذي النورَين، سيف الله المسلول، حبر الأمة، ذي الشهادتين، أمين الأمة.. إنها ألقاب صارت وسامًا خالدًا يدفع أصحابها لبذل المزيد، ويحفز الآخرين على السير في ذات الطريق، ولذلك كان الله تعالى يأمرنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَومٍ)(الحجرات:11)؛ لأن السخرية تحطم الروح، بينما الكلمة الطيبة ترفعها وتفتح أمامها أبواب الإنجاز.
صناعة القادة في عصرنا
في عصرنا الحالي أصبح صناعة القادة واجبًا لا يحتمل التأجيل، حيث إن هذه الصناعة لم تعد بدائية ولا عفوية، بل هي برامج متخصصة ودورات تدريبية وتجارب عملية، تبدأ منذ مقاعد الدراسة وتستمر في ميادين العمل والحياة.
حين أرادت ماليزيا النهوض من أزماتها الاقتصادية في تسعينيات القرن الماضي، أدرك رئيس وزرائها “مهاتير محمد”، أن التنمية تبدأ من الإنسان لا من المصانع؛ فأنشأ برامج إعداد القادة في الجامعات والمدارس، وربط بين التعليم والتدريب الميداني والإدارة العامة، ونتيجة لذلك ظهر جيل من القادة الشباب الذين جمعوا بين الإيمان ببلدهم، والمعرفة التقنية والقدرة الإدارية، فتحولت ماليزيا في عقدين إلى واحدة من أنجح التجارب الآسيوية في التنمية البشرية وصناعة القرار الواعي.
إن المجتمع الذي لا يمنح شبابه فرصة القيادة كمن يدفن كنوزه بيديه، وإن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى قادة يجمعون بين الإيمان العميق والعلم الرصين والمهارات العصرية.
وأخيرًا نقول: إن القيادة مسؤولية أمة بأكملها، وإن التاريخ يشهد أن كل نهضة بدأت بقائد مؤمن برؤيته، ثم قادة آخرين صنعهم وتركهم يحملون الراية من بعده.. هكذا تبقى القيادة أعظم استثمار في أعز ما نملك وهو الإنسان.. فالقيادة شعلة تضيء الطريق وتزرع الأمل، وتصنع فرقًا يتجاوز الحدود، فحين نرتقي بالإنسان نرتقي بالحياة كلها.
——————–
(*) دكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله / سوريا.