أخبار
مجذوب ارتقى…

قرأت ذات مرة أن الإلهام ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو تلك النفحة القدسية التي توقد في الروح نار الإبداع، وهو الطموح الذي يهمس في النفس كدفعة غير مرئية، فيحملنا على تجاوز حدودنا لنرى الممكن فيما كنا نحسبه مستحيلاً، إنه غاية سامية توقظ فينا أنبل ما فينا. وإنه الإلهام الذي يولد من رحم الصدق والإخلاص، ومن شهود النموذج الأمثل في شخص ما؛ شخص إن كنتَ أنت في أول درجات الحب، كان هو عاشقًا متقدًا، وإن كنتَ أنت عاشقًا، كان هو متيَّمًا هائمًا شرب حتى الثمالة من كأس الغرام.. فكيف لماء الساقية أن يروي ظمأ المحيط؟
ولعل صدى هذه الخاطرة تُردد في وجداني حين طرق سمعي ذلك النداء الخالد: “أريد حفنة من المجانين!”. فتساءلت في نفسي: أي مجانين يريد؟ وما سر جنونهم؟ وأردت أن أطرح السؤال، لكن سبقتني إليه روح أخرى سألتْه قبل أن يخطر ببالي بعقود، فجاء الجواب كشفًا: إن هؤلاء “المجانين” قوم أقاموا صرح حياتهم على غاية واحدة، وهي إعلاء كلمة الله.. طرحوا موازين الدنيا جانبًا، فلا قيمة لحياتهم إلا بهذه الغاية، ولا يَزِنون بها ذهبًا أو فضة، بل يَزِنون الأعمال بنيّة صادقة. همُّهم الأوحد الذي يؤرق مضاجعهم ويشغل صحوهم ومنامهم سؤالٌ واحد: “هل سترفرف راية الجناب المحمدي الشريف في كل أصقاع الأرض، وفي كل مناحي الحياة؟”. إنهم رجال نذروا أنفسهم لإعلاء كلمة الحق، لا يرون في دروبهم المظلمة منارةً يهتدون بها سوى كوكبة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
وهنا، تعانقت الغايات فكانت غايتهم إحياء الإنسانية، وتوحَّد رأس المال فكان التضحية والفداء. ولعلنا نستعين في وصفهم بكلام أحدهم، ذاك الذي نال من نبي القرآن شرف الاسم، ومن نبي الإنجيل شرف اللقب، فخطَّ بمداده كلمات لو كُتبت بماء الذهب لكان في ذلك بخسٌ لحقّها. لقد وصف أولئك “المجانين”؛ بأنهم أولئك الذين ناداهم بديع الزمان سعيد النورسي: “يا إخوة الآخرة! ويا أصحابي في خدمة القرآن”. وهم أنفسهم مَن وصفهم الدكتور فريد الأنصاري -رحمه الله- بأنهم: “رجال ليسوا كأي رجال، إنهم رجال تعاهدوا على الاستقامة في العمل والدعوة، رجال سمعت أشجان قلوبهم رأفةً بجيلنا وإشكالاته العصرية، فبدؤوا بالعمل من البذرة إلى الثمرة. ودعَوْا الله أن يتقبل جهود تجديدهم، وأن يرزقهم الإخلاص في القول والعمل، ليكونوا لَمَسات في إصلاح المجتمع.
إنهم “غرباء” ساروا على طريق الإحياء، مستبصرين بنور مفخرة الإنسانية الخالد صلى الله عليه وسلم، ومستمسكين ببيان ربهم في أيديهم، يستقرئون فيه ويبحثون عن طرق إرشادهم ورشادهم في فكرهم وحياتهم، حتى يستطيعوا بناء حضارتهم، وبث روح الجهاد مرة أخرى في أمتهم. إن أنفاس قلوبهم نابعة من ترانيم روح أخذت على نفسها العهد بشدّ الرحال في سبيل الحق مهما كانت العقبات، لتكون للأمة إشراقات أمل في دياجي الحزن والأسى. لعلنا عندما نسمع وصف هؤلاء المجانين نقول: “يا ليتنا كنا معهم فنفوز فوزًا عظيمًا”.
بيد أني لم أقصد الحديث عن “المجانين” كغاية، بل كمدخل لا بد منه لحديثٍ آخر عن شخص آخر. فلنبدأ من القاعدة التي تقول: “إن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره”، أي إنه لا يمكنك أن تصدر حكمًا صائبًا حتى تمتلك فهمًا دقيقًا وإدراكًا كاملاً. ولا يدرك أسرار الهيام إلا من ذاق كأسه. فإن أردتَ أن تفهم معنى “الجنون” الذي وصفناه، فعليك أن تكون قد بلغت تلك المرتبة أو جاوزتها. وعليه، فإن هذا الرجل الذي يطلب “حفنة من المجانين”، ليس إلا سيد المجانين الذي أدرك كنه الجنون، فأراد لنوره أن يمتد في آخرين.
وحين تطأ قدمك حضرة العشق الإلهي، يغيب العقل، وتتمزق الحجب، وتصل إلى مقام الانجذاب. و”فتح الله كولن” ليس إلا واحدًا من هؤلاء المجاذيب الذين اختطفهم نور العشق الإلهي، فغاب عن كل ما سوى الله، وصار لا يرى إلا الله، ولا يفعل إلا بأمره، ولا يرجو إلا رضاه. رجلٌ سَكِرَ قلبه بحب مولاه فنسي نفسه وعاش لله.. وكيف لا، وهو الذي افترش الحصير معظم حياته، معرضًا عن فرش الدنيا الوثيرة، متوسدًا الأرض أو شرفة المسجد.. كانت تمر عليه الأيام طوالاً، لا يجد ما يسد رمقه، ولا يعرف قلبه لِلَذة الطعام سبيلاً.. إن عشقه لمولاه أنساه ملذات الدنيا، حتى حرّم الزواج على نفسه، لا زهدًا فحسب بل هيامًا وتعلقًا بالحبيب الواحد. وبلغ به الوجد مبلغًا أن حرّم على شفتيه الضحك، ولسان حاله يصرخ في صمت: “كيف أضحك وأمتي غارقة في لجج التيه، تبدد طاقاتها هباءً، وتطلب غايتها في سراب؟”.. حتى أوقف نفسه فصار خادمًا في مشروع إحياء الإنسانية.
لم تكن “خدمته” مشروعًا دنيويًّا يبتغي ربحًا أو سياسة، بل كانت فيضانًا من الروح، ونحيبًا جرى من ينابيع قلبه، فصار هو “الخدمة”، وصارت “الخدمة” هو. لم يعد بطل القصة التي نرويها، إنما أصبح هو القصة ذاتها. ولعله في ذلك ليس إلا قبسًا من نور “مفخرة الإنسانية” صلى الله عليه وسلم، الذي كان قرآنًا يمشي على الأرض.
ولكن، قد يسأل سائل: ما الجديد؟ أليست أهداف “الخدمة” هي نفسها أهداف حركات سبقتها؟ أليست مدارسها كمدارس المتقدمين، وجمعياتها كبيوت المال ودور العطاء؟ أليست غاياتها مستقاة من الكتاب والسنة؟ فما الذي بقي ليكون هو الجديد؟
الجديد ليس في الفكرة، ولا في المنهج، بل في حامل الفكرة.. الجديد هو الإنسان الذي تجسدت فيه المبادئ روحًا ودمًا.. الجديد هو “فتح الله كولن”.
إنه الرجل الذي كان كلامه ترجمانًا لفعله، لا فصاحةً تخلب ألباب السامعين. إنه الذي خلع نعلي الدنيا عن أعتاب قلبه كما خلعهما كليم الله بالواد المقدس، وأقبل على الحضرة الإلهية بقلب سليم، معلنًا أن حياته وقفٌ لله. فاتخذ الإخلاص دثاره وشعاره، فكساه الله رداء الصدق، وألقى عليه محبة منه، وجعل لكلماته سلطانًا على القلوب، فكأنه صنيعةُ عينِ الله، يعيش لمرضاته وحدها. إنه من عزة نفسه وورعه، حرّم على ذاته استعمال كهرباء مسجدٍ هو إمامه، خارج أوقات الصلاة، واكتفى بقبس ضئيل من مصباح الرواق الذي كان ينام فيه. ولا أدري، أكان المصباح ينيره أم كان هو بنور قلبه ينير المصباح؟
لقد رآه تلامذته والموت يطرق بابه بأزمة قلبية، فيرفض دواءً لم يدفع ثمنه، وهم ينظرون إليه عاجزين. ألم تكن أعيننا متعطشة لرؤية رجل كهذا؟ رجل تظنه صحابيًّا أخطأته العصور فوصل إلينا، لينير دروبنا المعتمة. كيف لا، ونحن نرى في سيرته ظل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان الصدق مجسدًا قبل الرسالة، حتى شهد له أعداؤه: “ما جرّبنا عليك كذبًا قط”.
لعلني الآن قد أفصحتُ عن مرادي: القصة هي فتح الله، والخدمة هي فتح الله؛ لأنه كان تلك الروح الغائبة عن القرون، والقطعة المفقودة في لوحة الأمة التي حيرت المفكرين.
ولنعد إلى “المجانين”.. قلنا إن من يريد أن يلهمهم، يجب أن يكون قد فاقهم في “جنونهم”. فلنقف أمام “فتح الله” ونسأل: ألا يكون هو سيد هؤلاء المجاذيب؟ كيف لا، وهو الذي حوّل المدارس الصمّاء إلى محاريب للعشق الإلهي، وأشعل فيها قناديل العلم الممزوج بنور الإيمان، ليكفكف دموع أطفالٍ ذاب قلبه رحمةً بهم؟ نَعم، إنه مجذوبٌ فاضت كأس روحه بمعين العشق، فجرى منها أنهار من الإخلاص والصدق، لا تمر بقلبٍ إلا أحيته، ولا ببيتٍ إلا عمّرته، ولا بعلمٍ إلا ربطته بالإيمان.. فصارت خدمته روحًا تسري في جسد الكون فتعيده إلى طريق الله سبحانه وتعالى.
وختامًا، ما “فتح الله كولن” إلا مجذوبٌ بلغ في العشق مقام الهيام، ففاضت كأسه لتروي “المجانين” من بَعده، فأنار لهم دروب العاشقين، وسقاهم من معين الإخلاص أجمعين.. رحمه الله وجمعنا به في دار البقاء.
——————–
(*) كاتب وباحث مصري.