أخبار
الوحدة…

استعادة الروح الجامعة في زمن التفرق
في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الأمم، لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا نملك من إمكانات؟ بل: كيف نرى أنفسنا؟ وكيف نرى بعضنا بعضًا؟ لأن الأزمة، حين تبلغ عمقها، لا تعود أزمة أدوات، بل تصبح أزمة وعي، وأزمة معنى، وأزمة علاقة؛ علاقة الإنسان بذاته، وعلاقته بغيره، وعلاقته بالرسالة التي يحملها.
ومن هنا، فإن مسألة الوحدة في الإسلام لا يمكن أن تُفهم على أنها مطلب تنظيمي أو شعار مرحلي، بل هي في جوهرها انعكاس مباشر لطبيعة هذا الدين، الذي جاء ليُخرج الإنسان من التمزق إلى التوحّد، ومن التنازع إلى الائتلاف، ومن عبودية الأهواء المتفرقة إلى عبودية الوجهة الواحدة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتكرر الخطاب القرآني الذي يستحث الجماعة المؤمنة على الاجتماع، لا بوصفه خيارًا تكميليًّا، بل باعتباره شرطًا من شروط تحقق الهداية في الواقع.
يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، فتأتي كلمة «جميعًا» كأنها مفتاح الفهم كله؛ إذ لا يكفي أن يكون الحق واضحًا، بل لا بد أن يكون الاجتماع عليه قائمًا. فالحقيقة، حين تبقى في إطارها الفردي، تظل محدودة الأثر، أما حين تتحول إلى حالة جماعية، فإنها تصنع التاريخ.
إن الوحدة، في هذا المعنى، ليست مجرد اتفاق في الظاهر، بل هي حالة من الانسجام الداخلي، تنبع من عمق الإيمان قبل أن تظهر في السلوك. ولذلك ربط القرآن بين الإيمان والأخوة ربطًا يكاد يكون وجوديًّا، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وكأن الأخوة ليست نتيجة اجتماعية عارضة، بل هي امتداد طبيعي لحقيقة الإيمان. ومن هنا نفهم قول الإمام الغزالي: «الألفة ثمرة حسن الباطن»، إذ لا يمكن لقلوب امتلأت بالإخلاص أن تتنازع طويلاً، ولا يمكن لنفوس تحررت من أسر الأنا أن تُصرّ على الفرقة.
غير أن الواقع المعاصر يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فبينما النصوص واضحة في الدعوة إلى الوحدة، تكاد الممارسة تسير في الاتجاه المعاكس. وليس من الإنصاف أن نُرجع هذا التناقض إلى تعقيدات الواقع وحدها؛ لأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يكمن في طريقة فهمنا للدين ذاته، وفي كيفية تمثلنا لقيمه في الحياة.
لقد أصبح الاختلاف – وهو في أصله سنة كونية ومجال رحمة – سببًا للقطيعة، بل أحيانًا ذريعة للتنازع. وهذا التحول من «اختلاف مُدار» إلى «خلاف مُدمِّر» لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكمات نفسية وفكرية وتربوية، تبدأ غالبًا من تضخم الذات، وتمر بضعف فقه الأولويات، وتنتهي بغياب الرؤية الجامعة.
إن من أخطر ما يواجه الوعي المعاصر أن تتحول الآراء إلى هويات، وأن يصبح التراجع عن الرأي هزيمة نفسية لا مراجعة علمية. في مثل هذا المناخ، لا يعود الحوار بحثًا عن الحقيقة، بل يصبح معركة لإثبات الذات، ويغدو الخلاف صراعًا وجوديًّا لا تباينًا معرفيًّا. وقد أشار ابن القيم إلى هذا المعنى حين قرر أن أصل كثير من البلاء هو إعجاب المرء بنفسه؛ لأن هذا الإعجاب يحجب الإنسان عن رؤية الحق إذا جاء من غيره، ويجعله أسيرًا لرؤيته لا تابعًا للدليل.
وإذا أضفنا إلى ذلك غياب الوعي بالمقاصد الكبرى للشريعة، أدركنا كيف تتضخم الجزئيات على حساب الكليات، وكيف تتحول المسائل الفرعية إلى معارك كبرى تستنزف الجهد والوقت، بينما تبقى القضايا المصيرية في الهامش. وقد نبّه الشاطبي إلى أن الجهل بالمقاصد يوقع في التفرق؛ لأن من لا يرى الصورة الكلية يضخم الجزء، ويجعله مركز الاهتمام.
غير أن الإسلام، في بنائه العميق، لم يترك هذه القضية دون توجيه، بل قدّم نموذجًا عمليًّا راقيًا في إدارة الاختلاف، تجلّى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ففي حادثة بني قريظة، حين اختلف الصحابة في فهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يُعنّف أحدًا منهم؛ لأن الاختلاف كان منطلقًا من اجتهاد صادق، لا من هوى متبع. وهذا يفتح أمامنا أفقًا واسعًا لفهم طبيعة الاختلاف المشروع، الذي لا يفسد للود قضية، ولا يتحول إلى سبب للفرقة.
إن ما ميّز ذلك الجيل لم يكن غياب الاختلاف، بل القدرة على احتوائه وتحويله إلى طاقة إثراء، لا أداة صراع. فقد كانوا يدركون أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد، وأن الاجتهاد مجال رحمة ما دام منضبطًا بأصوله. ولذلك قال الإمام الشافعي كلمته الشهورة التي تختصر أدب الاختلاف كله: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». إنها عبارة لا تعبّر عن تواضع علمي فحسب، بل عن تربية قلبية عميقة، تجعل الإنسان منفتحًا على الحق أينما كان.
وفي مقابل هذا النموذج، يحذّر القرآن من مآلات التنازع، لا بوصفه خطأً أخلاقيًّا فقط، بل باعتباره قانونًا يؤدي إلى السقوط الحضاري. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، وفي هذه الآية ترتيب دقيق يكشف عن مسار الانحدار؛ إذ يبدأ بالتنازع، ثم يتحول إلى فشل، ثم ينتهي بفقدان القوة والتأثير. وهذا ما تؤكده تجارب التاريخ، حيث لم تسقط أمة من خارجها قبل أن تتفكك من داخلها.
ومن هنا، فإن الحديث عن الوحدة لا ينبغي أن يبقى في مستوى الوعظ العام، بل لا بد أن يتحول إلى مشروع تربوي متكامل، يبدأ بإعادة بناء الإنسان من الداخل. فالوحدة الحقيقية لا تُفرض من الخارج، بل تنبع من نفس تعلّمت كيف تتواضع للحق، وكيف تُحسن الظن، وكيف تفرّق بين الفكرة وصاحبها. إن الإنسان الذي تحرر من أسر الأنا يصبح أقدر على قبول الاختلاف، وأوسع صدرًا في التعامل معه، وأقرب إلى روح الائتلاف.
وفي السياق نفسه، تبرز أهمية فقه الأولويات، الذي يعلّمنا أن ليس كل خلاف يستحق أن نخوضه، ولا كل مسألة تستحق أن نختلف عليها. فكم من خلافات استنزفت طاقات الأمة؛ لأنها أُعطيت حجمًا أكبر من حجمها، بينما كان الأولى توجيه الجهود نحو ما يجمع لا ما يفرّق.
غير أن الوحدة لا تُبنى بالوعي الفردي وحده، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة، تُشجّع على الحوار، وتُعزز العمل المشترك، وتُقلل من مساحات الاستقطاب. وهنا يأتي دور العلماء والدعاة والمؤسسات في توجيه الخطاب نحو المشترك، وتجنب إثارة القضايا الخلافية في غير موضعها، والعمل على بناء مشاريع جامعة تتجاوز حدود الاختلاف النظري إلى فضاء التعاون العملي.
إن من أعظم ما يمكن أن يرسّخ ثقافة الائتلاف أن ينتقل الناس من مجرد تبادل الأفكار إلى مشاركة الإنجاز؛ لأن العمل المشترك يُذيب كثيرًا من الحواجز النفسية، ويُعيد ترتيب الأولويات، ويُشعر الجميع بأنهم جزء من مشروع أكبر منهم.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ماسّة إلى استعادة «العقل الحواري»، ذلك العقل الذي لا يكتفي بسماع الآخر، بل يسعى إلى فهمه، ويزن كلامه بميزان العلم والعدل، لا بميزان الهوى والانطباع. إن الحوار في جوهره ليس وسيلة لإقناع الآخر فقط، بل هو وسيلة لاكتشاف أبعاد جديدة للحقيقة، لا تظهر إلا من خلال التفاعل.
وإذا كان لا بد من قواعد تضبط هذا المسار، فإن أبرزها أن نجتمع على الأصول، وأن نتسامح في الفروع، وأن نحسن الظن، وأن نلتمس الأعذار، وأن نُقدّم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد والجماعات. وهذه ليست شعارات مثالية، بل قواعد عملية أثبتت التجربة أنها الطريق الوحيد للخروج من دوائر الصراع.
وفي ختام هذا التأمل، يمكن القول إن معركة الأمة اليوم ليست في مواجهة الخارج بقدر ما هي في تجاوز انقسامها الداخلي. فالوحدة ليست ترفًا فكريًّا، ولا حلمًا طوباويًّا، بل هي شرط بقاء، وأساس نهضة، وطريق نجاة. وإن أعظم ما يمكن أن نبدأ به ليس البحث عن اتفاق كامل – فهذا متعذر – بل تعلّم كيف نختلف دون أن نفترق، وكيف نتنوع دون أن نتنازع، وكيف نجعل من اختلافنا مصدر قوة، لا سبب ضعف.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾؛ فهي ليست مجرد وصية، بل تحذير، وليست توجيهًا أخلاقيًّا فحسب، بل قانون من قوانين العمران. فمن وعاه حفظ وحدته، ومن غفل عنه دفع ثمن تفرقه، مهما امتلك من أسباب القوة.
المراجع
– القرآن الكريم.
– الغزالي، إحياء علوم الدين.
– ابن القيم، مدارج السالكين.
– الشاطبي، الموافقات.
– ابن تيمية، مجموع الفتاوى.
– الرازي، التفسير الكبير.
– البيهقي، مناقب الشافعي.