أخبار

الأئمة القراء…

علم القراءات هو العلم الذي يُعرف به اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى واختلافهم في الحذف والإثبات، والتحريك والتسكين، والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئات النطق والإبدال، من حيث السماع. ويُقال أيضًا: هو علم بكيفية أداء كلمات القرآن الكريم، واختلافها معزوًّا لناقله.

وموضوع هذا العلم كلمات القرآن الكريم، من حيث البحث في أحوالها كالمد والقصر والنقل.

أما استمداده فمن السنة والإجماع، وفائدته صيانة القرآن الكريم من التحريف والتغيير، إلى جانب ثمرات عظيمة كثيرة؛ إذ لم تزل العلماء تستنبط من كل حرف يقرأ به قارئ معنى قد لا يوجد في قراءة غيره، وكانت القراءات حجة للفقهاء في الاستنباط، ومحجة لهم في الاهتداء، فضلاً عما فيها من التيسير على الأمة.

وغايته معرفة ما يقرأ به كل واحد من أئمة القراء.

أما المقرئ فهو من عَلِم القراءات أداءً، ورواها مشافهة، فلو حفظ كتابًا لم يجز له الإقراء بما فيه ما لم يتلقَّه مشافهةً عمّن تلقاه كذلك بسند متصل؛ لأن في القراءة أمورًا لا تُضبط إلا بالسماع والمشافهة. ولهذا لم يكتف العلماء بالسماع من لفظ الشيخ فقط في التلقي، وإن اكتفوا بذلك في الحديث، لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء، فلا بد من قراءة الطالب على الشيخ. بخلاف الحديث، فإن المقصود فيه المعنى أو اللفظ، لا الهيئات المعتبرة في أداء القرآن.

أما الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانت فصاحتهم وسلامة طباعهم تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نزل بلغتهم. وأما الإجازة المجردة عن السماع والقراءة، فقد استقر عمل أهل الحديث قاطبةً على الأخذ بها حتى صار ذلك إجماعًا. وهل تُلحق بها الإجازة في القراءات؟ قال الشهاب القسطلاني: الظاهر نعم، لكن منع ذلك الحافظ الهمداني، وكأنه يرى المنع إذا لم يكن الطالب أهلاً لذلك؛ لأن في القراءة أمورًا لا تضبطها إلا المشافهة. أما إذا كان ذلك على سبيل المتابعة، وكان المجاز قد أحكم القرآن وصححه، فلا مانع منه، كما فعل أبو العلاء نفسه، إذ كان يذكر سنده بالتلاوة ثم يردفه بالإجازة، إما للعلو أو المتابعة. وأبلغ من ذلك رواية الكمال الضرير، شيخ القراء بالديار المصرية، للقراءات من كتاب “المستنير” لابن سوار عن الحافظ السلفي بالإجازة العامة، وقد تلقى الناس ذلك خلفًا عن سلف.

أما القارئ فهو المبتدئ من أفراد إلى ثلاث روايات، والمتوسط إلى أربع أو خمس، والمنتهي هو من عرف أكثر القراءات وأشهرها.

القرآن والقراءات

القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان؛ فالقرآن هو الوحي المنزل للإعجاز والبيان، أما القراءات فهي اختلاف ألفاظ ذلك الوحي في الحروف أو كيفيات النطق، من تخفيف وتشديد وغيرهما.

وحفظ القرآن فرض كفاية على الأمة، بمعنى ألا ينقطع عدد التواتر، فلا يتطرق إليه التبديل أو التحريف، وكذلك تعليمه فرض كفاية، كما أن تعلم القراءات وتعليمها كذلك.

ثم ليُعلم أن السبب الداعي إلى الأخذ عن القراء المشهورين دون غيرهم، أنه لما كثر الاختلاف فيما يحتمله رسم المصاحف العثمانية التي وجّه بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار، وهي: الشام، واليمن، والبصرة، والكوفة، ومكة، والبحرين، وحبس بالمدينة مصحفًا وأمسك لنفسه بالمصحف الإمام، صار أهل البدع والأهواء يقرؤون بما لا يحل تلاوته موافقةً لبدعهم.

فأجمع المسلمون على الاعتماد على قراءات أئمة ثقات، تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كل مصرٍ وُجِّهَ إليه مصحفٌ إمامًا مشهورًا بالثقة والأمانة في النقل، وحسن الدراية، وكمال العلم، ممن أفنوا أعمارهم في القراءة والإقراء.

وأغلب هذه القراءات يعرفها أهل هذا العلم وعلماؤه الذين تلقوها، وعددهم كافٍ للتواتر في العالم الإسلامي، لكن عامة المسلمين المنتشرين في أغلب دول العالم الإسلامي يقرؤون برواية حفص عن عاصم، وفي بلاد المغرب العربي يقرؤون بقراءة الإمام نافع، سواء برواية قالون أو ورش، وفي السودان وحضرموت يقرؤون برواية الدوري عن أبي عمرو.

القراء الأئمة

1- نافع المدني

هو أبو رُويم نافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم المدني. وُلد سنة سبعين للهجرة، وتوفي سنة تسع وستين ومائة.

قيل: إنه كان إذا قرأ القرآن شُمَّت منه رائحة المسك. وقد أخذ القراءة عن أبي جعفر القارئ، وعن سبعين من التابعين، عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة، عن أُبيّ بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد انتهت إليه رياسة الإقراء بالمدينة المنورة.

قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس رضي الله عنه يقول: “قراءة أهل المدينة سنة”. قيل له: يعني قراءة نافع؟ قال: نعم.

أما راوياه فهما:

– قالون: وهو أبو موسى عيسى بن ميناء بن وردان النحوي، و”قالون” لقب له بالرومية، ومعناه “الجيد”، وقد لُقب به لجودة قراءته.

– ورش: وهو عثمان بن سعيد المصري، و”ورش” لقب له، ومعناه شديد البياض. رحل إلى المدينة فقرأ على نافع، ثم عاد إلى مصر.

2- ابن كثير

هو أبو محمد، أو أبو معبد، عبد الله بن كثير الداري. وُلد بمكة سنة خمس وأربعين للهجرة، وتوفي سنة عشرين ومائة.

وهو تابعي جليل وإمام في القراءة، لقي من الصحابة عبدالله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك. وقد كان رحمه الله إمام الناس بمكة، لا ينازعه أحد في ذلك، ولذلك روى عنه الخليل بن أحمد ونقل عنه.

روى ابن كثير عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبيّ بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ على عبد الله بن السائب المخزومي، وقرأ عبد الله هذا على أُبيّ بن كعب وعمر بن الخطاب، وقرأ كلاهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد اشتهر بالرواية عنه بواسطة صاحبيه:

– البزّي: وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة.

– قنبل: وهو محمد بن عبد الرحمن بن خالد المخزومي المكي، وقد لقب بـ”قنبل” لشدته، فالقنبل هو الغلام الحادّ الرأس الخفيف الروح.

3- أبو عمرو

هو أبو عمرو زبان بن العلاء البصري، وُلد سنة ثمان وستين للهجرة المباركة، وكان من أعلم الناس بالقراءة. وقد أخذه والده معه حين هرب من الحجاج إلى بلدان كثيرة، فقرأ القرآن بمكة والمدينة والكوفة والبصرة على جماعات كثيرة، وليس من علماء القراءات من هو أكثر شيوخًا منه، لكثرة تنقله وعدم استقراره في مكان واحد.

جاء في “التهذيب” عن أبي معاوية الأزهري: “كان أعلم الناس بوجوه القراءات، وألفاظ العرب، ونوادر كلامهم، وفصيح أشعارهم”.

وقد أخذ أبو عمرو قراءته عن ثلاثة من الصحابة:

أ- عمر بن الخطاب: من طريق أبي جعفر يزيد بن القعقاع، والحسن البصري، عن حطان وأبي العالية، عن عمر بن الخطاب.

ب- علي بن أبي طالب: أخذها عنه من ست طرق.

ج- أُبيّ بن كعب: أخذها عنه من أحد عشر طريقًا.

وتوفي رحمه الله سنة أربع وخمسين ومائة للهجرة المباركة.

وراوياه هما:

الدوري: وهو أبو عمرو حفص بن عمر المقرئ الضرير، ولقب بالدوري نسبةً إلى “الدور”، وهو موضع بالجانب الشرقي من بغداد.

السوسي: وهو أبو شعيب صالح بن زياد، وكان ثقة ضابطًا.

4- ابن عامر

هو عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة بن عامر بن عبد الله اليحصبي. وُلد سنة إحدى وعشرين للهجرة، وقيل سنة ثمان وعشرين، وتوفي سنة ثمان عشرة ومائة للهجرة النبوية المباركة.

وهو تابعي جليل، لقي واثلة بن الأسقع والنعمان بن بشير، وقد أخذ عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، عن عثمان بن عفان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إنه قرأ على عثمان رضي الله عنه مباشرةً بلا واسطة. وقد أخذ عنه أهل الشام قراءته، واشتهر برواية قراءته:

– هشام: وهو أبو الوليد بن عمار بن نصير السلمي الدمشقي.

– ابن ذكوان: وهو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشي الدمشقي، وكانت روايتهما لقراءة ابن عامر بالواسطة.

5- عاصم

هو عاصم بن أبي النجود الأسدي، توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وكان قارئًا متقنًا، آيةً في التحرير والإتقان والفصاحة.

قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن عاصم، فقال: “رجل صالح، خير، ثقة”. فسألته: أيُّ القراء أحب إليك؟ قال: “قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم”.

وقد أخذ عاصم قراءته عن ثلاثة من الصحابة، هم: علي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب.

فقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي، معلم الحسن والحسين، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما قرأ أيضًا على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش الأسدي، وقرأ الاثنان على علي رضي الله عنه، كما قرأ عليهما ومعهما أبو عمرو الشيباني، والثلاثة على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وقرأ قراءة أُبيّ بن كعب بطريق واحد، هو طريق أبي عبدالرحمن السلمي.

وراوياه:
– شعبة: وهو أبو بكر بن عياش الأسدي.

– حفص: وهو أبو عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة البزار، وكان ربيب عاصم، تربى في حجره، وتعلم منه، ولذلك كان أدق إتقانًا من شعبة.

6- حمزة

هو حمزة بن حبيب بن عمارة الكوفي التيمي، وُلد سنة ثمانين للهجرة، وتوفي سنة ست وخمسين ومائة.

وقد أخذ القراءة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن زر بن حبيش، عن عثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال له الإمام أبو حنيفة: «شيئان غلبتنا عليهما لا ننازعك فيهما: القرآن والفرائض».

وراوياه:

– خلف: أبو محمد الأسدي البغدادي.

– خلاد: أبو عيسى خلاد بن خالد الأحول الصيرفي.

7- الكسائي

هو علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن الأسدي النحوي، توفي سنة تسع وثمانين ومائة.

ولُقب بالكسائي لأنه كان محرمًا في كساء، وقيل: لأنه كان يلبس كساءً مميزًا.

قال أبو بكر الأنباري: «اجتمعت في الكسائي أمور؛ كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم بالغريب، وأوحد الناس بالقرآن».

وقد أخذ قراءته عن عثمان وعلي وابن مسعود وأُبيّ بن كعب رضي الله عنهم.

وراوياه:

– أبو الحارث: الليث بن خالد المروزي.

– الدوري: أبو عمر حفص بن عمر الدوري.

8- أبو جعفر

هو يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، تابعي جليل، أخذ قراءته عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة، عن أُبيّ بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وراوياه:

– ابن وردان: عيسى بن وردان المدني.

– ابن جماز: سليمان بن مسلم بن جماز.

9- يعقوب

هو يعقوب بن إسحاق الحضرمـي، أحد القراء العشرة وإمام أهل البصرة، توفي سنة خمس ومائتين.

قرأ على سلام بن سليمان الطويل، وقرأ سلام على عاصم وأبي عمرو.

وراوياه:

– روح: أبو الحسن روح بن عبدالمؤمن.

– رويس: أبو عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤي.

10- خلف

هو خلف بن هشام الأسدي، أحد القراء العشرة، وأحد راويي حمزة.

قرأ على سليم عن حمزة، وعلى جماعة أخذوا عن عاصم.

وراوياه:

– أبو يعقوب: إسحاق بن إبراهيم المروزي.

– أبو الحسن: إدريس عبد الكريم الحداد البغدادي.

11- ابن محيصن

هو عبد الله بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي المكي، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة.

وكان مقرئ أهل مكة مع ابن كثير، وأعلم قرائها بالعربية.

وراوياه:

– البزي.

– ابن شنبوذ: محمد بن أحمد بن أيوب البغدادي.

12- يحيى اليزيدي

هو يحيى بن المبارك اليزيدي، توفي سنة اثنتين ومائتين. وكان إمامًا في اللغة والأدب والقراءات.

وراوياه:

– سليمان بن الحكم الخياط البغدادي.

– أحمد بن فرح الضرير البغدادي.

13- أبو الحسن البصري

هو الإمام الحسن البصري، التابعي الجليل، وُلد سنة إحدى وعشرين للهجرة، وتوفي سنة عشر ومائة. وكان إمامًا في القراءات والتفسير والفقه وسائر العلوم الإسلامية.

وراوياه:

– شجاع بن أبي نصر البلخي.

– الدوري.

14- الأعمش

هو سليمان بن مهران الأعمش الأسدي، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. وكان إمامًا في القراءات، لا يلحن في كلامه.

وراوياه:

– الحسن بن سعيد المطوعي.

– أبو الفرج الشنبوذي.

الهوامش:

1- «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
2- ويكيبيديا العربية
3- موقع نداء الإيمان
4- «تراجم عظماء القراء أصحاب الروايات الأربعة عشر في قراءة القرآن الكريم»، مكتبة مؤلفات الشاعر علاء الدين سعيد.

اترك تعليقاً

إغلاق