أخبار

الطربوش بين…

الطربوش، لباس الرأس الذي كان في الماضي يرمز إلى الوجاهة والهيبة. كلمة طربوش محرفة عن الفارسية “سربوش”، وتعني زينة رأس الأمير، ثم حُرّفت إلى “شربوش” فأصبح شبه عمامة تلتف حول طاقية حمراء من الجوخ، سطحها يتراوح بين 10-14 سم، وتعلق في وسطها شرابة غليظة زرقاء أو سوداء تتدلى حتى العنق. وحل محل الطربوش الكبير، الطربوش النمساوي. بعد ذلك استبدلت كلمة “شربوش” بالطربوش.

غزا الطربوش العالم العربي كرمز من رموز الوجاهة والهيبة والأناقة، وكان ضرورة تفرض نفسها لاستكمال أناقة الرجال. وامتدت وجاهة الطربوش  إلى الملوك والرؤساء والزعماء. ولقد عاش الطربوش فترة ازدهار، وأصبح شعارًا قوميًّا بعد الحرب العالمية الأولى، بل احتل مركز الصدارة بين أغطية الرأس، وأصبح ارتداؤه ردة فعل على بعض المحاولات بإدخال القبعة الأوروبية باعتبارها لباس المستعمرين. كذلك اكتسب الطربوش دلالة قومية في الماضي البعيد في مواجهة القبعة الأوروبية، إلى أن انتهى استخدامه، وبقي مقتصرًا في المناسبات والاحتفالات التراثية.

ظل الطربوش مستخدمًا في عدد من الدول العربية، كمصر والعراق وسوريا ولبنان والمغرب. وكان ضروريًّا لاستكمال المظهر الرسمي. ومع مرور الوقت أصبح  رمزًا سياسيًّا له هيبة في الشارع العربي، حتى لُقّب من يرتديه بالباشا أو البيك أو الأفندي.

لقد تباينت الروايات حول الموطن الأصلي للطربوش، فالبعض يؤكد أنه ظهر في النمسا ثم دخل دولة العثمانيين، وأُطلق عليه “فيز” (Fez) نسبة إلى مكان صناعته  “فيينا” عاصمة النمسا. كان شكله أسطوانيًّا ولونه أحمر أو أبيض، ثم حُوّل الاسم إلى “فاس”، وزعموا أنه يدل على مدينة “فاس” المغربية، كي يُموّه عن المسلمين منشؤه الأصلي، ويرضي مشاعرهم الدينية بأنهم لا يستعملون بضائع الأوروبيين.

هناك من يقول إنه بدأ بالظهور منذ بداية القرن الثامن عشر في تركيا نفسها، وقال مؤرخون آخرون إن النساء الألبانيات واليونانيات هُنّ أول من لبس الطربوش، ثم نقلته إلى العثمانيين بسبب الاحتكاك والعمل في القصور السلطانية.

بعد أن ارتداه أهل النمسا انتقل للعثمانيين ثم إلى مصر والبلدان العربية الأخرى. وكان أمراء طائفة الشهابييــن أول من ارتداه بمصر، ثم جاء محمد علي باشا مؤسس دولة مصر الحديثة وأتباعه، ليصبح لباسًا رسميًّا لهم. وكان سعر الطربوش آنذاك مرتفعًا بالنسبة للسواد الأعظم. ومع مرور الوقت أصبـــح الطربوش واحدًا من قصص الثوار في مصر والشام، بل كان مهـر زواج بنات الجنوب في لبنان طربوش مزين بمائة قطعة من فئة ربع الجنيه الذهب، وعلى جوانبه حلى ذهبية.

اتخذ العثمانيون الطربوش زيًّا رسميًّا ليحلّ محل العمامة في وقت متأخر من حياة دولتهم، كزيٍّ بروتوكولي، ليصبح زيًّا شعبيًّا فيها، ثم اتخذ مجلس الأمة التركي في سنة 1925م قرارًا منع فيه لبس الطربوش. أما في سوريا فقد جاء المستعمر بالقبّعة، فتشبّث الناس بالطربوش باعتباره يمثل هوية الشاميين.

فن صناعة الطربوش.. نوادر وحكايات

ارتبط لبس “الطربوش” بالعلم وسعة المعرفة، ونظر إليه العامة باحترام وإجلال. وهذا ما ذكره الشاعر “حافظ إبراهيم” حين قابله رجل أمّي وأعطاه رسالة ليقرأها له، فأجابه إبراهيم بأنه لا يعرف القراءة، فقال الرجل الأمّي متعجبًا: كيف وأنت ترتدي الطربوش؟! فخلع إبراهيم الطربوش ووضعه فوق رأس الرجل وقال له: الطربوش فوق رأسك، تفضل اقرأ أنت.

وإن الطربوش المغربي هو الطربوش الوحيد الذي لم يفقد بريقه لحظة، فالسادة المعممون من مشايخ الأزهر الشريف، يشترونه ويرتدونه بعد أن يلفوا حوله شالاً من الحرير الأبيض الناصع، كذلك مقرئو القرآن الكريم وطلبة الأزهر، وبعض العامة، يفضلونه حتى اليوم.

وكان الشباب في تلك الفترة عندما يظهر من بينهم شاب (شايف نفسه حبتين)، يضع الطربوش بشكل مائل ويأتي بالشرابة إلى اليسار، بينما الوقار والشياكة تحتم أن تكون الشرابة إلى الخلف. وكانت صناعته بمصر منتشرة جدًّا، فلا تجد حارة في القاهرة والإسكندرية، إلا وفيها محل تصنيع وبيع الطرابيش. أما اليوم، فلن تجد أي ذكرى حتى لهذه المهنة، ولا أحد يستخدم الطرابيش في العالم العربي كله اليوم سوى المملكة المغربية.

وانتشرت صناعة الطربوش بشكل مكثف قبيل القرن التاسع عشر إبان فترة الحكم العثماني أيضًا، وأصبح من المعتاد وضع الطربوش الأحمر على رؤوس  الرجال، وربما يكون في الأصل ابتكار عربي لغطاء الرأس، إذ ظهر الطربوش الأحمر لأول مرة في منطقة المغرب العربي، وحل محل العمامة والحطة والعقال.

وينحصر استخدام الطربوش حاليًّا عند رجال الدين، الذين يضعون العمامة البيضاء أو الملونة السادة أو المنقوشة حول الطربوش، وما يزال الطربوش موجودًا في نطاق ضيق ويباع في المحلات التراثية، حيث تستخدمه فرق الإنشاد، والفرق الفلكلورية، والمسلسلات الشامية، التي نشّطت إلى حد ما الاهتمام به وإنقاذه من الانقراض.

ولقد كان للطربوش عدة دلالات نفسية تعكس الحالة المزاجية على كل من يرتديه، بالإضافة إلى تحديد الانتماء الجغرافي والمستوى الاجتماعي للمواطنين، حيث يشير تغير وضع الطربوش على الرأس، إلى المزاج النفسي أو أهمية الطرف المقابل. فالطربوش إذا كان مستقيمًا وثابتًا، له معنى يتوافق مع الاستقامة، وإذا كان مائلاً إلى الخلف فيدل على المزاج الرائق، ولا يخلو من الرغبة في التوجيه أو السخرية.

ومثلما لوضعية الطربوش على الرأس دلالة، فإن نوع الطربوش يحدد الانتماء الجغرافي والمستوى الاجتماعي، فطربوش “نابلس” يختلف عن طربوش “الشام”؛ الأول أكثر دكنة وأطول إضافة إلا أن نهايته أدق، أما الطربوش الشامي فأقصر من حيث الارتفاع وأكثر توهجًا، إذ يبدو كالبطيخة الناضجة، كما أن موقعه قابل للتغيير تبعًا للخطة ونوع الحديث والشخص المقابل.

بقي الطربوش في سيرة الذاكرة الشعبية والتراث، فكان يميز من يعمل في وظيفة رسمية عالية؛ ورؤساء الوزارات، والوزراء، وكبار الموظفين.. أيًّا كانت اعتقاداتهم اعتمدوا الطربوش زيًّا رسميًّا، وحرصوا على وضعه على رؤوسهم، فوضعه على رأسه مثلاً “شكري القوتلي” و”بشارة الخوري”. ولم يقتصر الطربوش على ذوي الوظائف الرسمية الكبيرة وحدهم، إذ كان لصاحب الدخل المحدود طربوش واحد، وللشخص الغني طرابيش كثيرة تتفاوت من حيث اللون والمقاييس وأوقات الاستعمال، ولذلك كانت صناعة الطرابيش مزدهرة ولها أربابها.

إن استخدام الطربوش حاليًّا يقتصر على الأطفال في المناسبات، كالأعياد وحفلات الترفيه، وعلى أعضاء فرق المولوية وهم الذين يؤدون الرقصات والموسيقى الصوفية الدينية الشهيرة في المناسبات الدينية، وخاصة في شهر رمضان المبارك. وطرابيش هؤلاء مميزة من حيث شكلها الذي يتناسب مع حركة الراقص ولباسه الفضفاض، فالطربوش هنا طويل يبدأ فوق الرأس، ولذلك صنعه من خلال قالب نحاسي خاص يتناسب مع طوله وحجمه، كما أن قطره مختلف. وهذا النوع من الطرابيش ثمنها غاليًا، كونها تصنع بشكل فني ومتقن.

وبشكل عام اشتهر في سوريا نوعان من الطرابيش، وهما الحلبية والدمشقية، وهي ذات لمسات جمالية؛ حيث كان يستخدم فيها القش المستورد من الصين، لتغليف الطربوش من الداخل، كما استخدم الجوخ النمساوي. ويتم صنع الشرابة الخاصة بالطربوش من أجود أنواع الحرير، وكانت هناك قوالب نحاسية خاصة لصنع الطرابيش.

ولكن لم يلق الطربوش الزيتي أو الأسود من الألوان أيّ تجاوب من الزبائن، وهناك اللون الأحمر الفاتح، وهذا النوع يصنع للأطفال كونه لون مفرح ويسعد الأطفال. أما بالنسبة للمقاسات فإنه يتم تفصيل الطربوش حسب مقاس رأس الزبون، ولكن حاليًّا ومع فقدان زبائن الطربوش الأساسيين واقتصاره على الدور الفلكلوري، فإنه يتم صنع طرابيش بمقاسات محددة للكبار، وأخرى محددة للصغار.

وقد ازدهر الطربوش بصورة خاصة في البلاد العربية مع دخول الجيوش العثمانية، حيث صار لباس الرأس الرئيسي بعدما أصدرت الدولة العثمانية فرمانًا بتعميم ارتداء الطربوش بالنسبة للرسميين، ثم انتشر بعد ذلك بين عامة الناس. في المقابل لم يقتصر الطربوش على ذوي الوظائف الرسمية الكبيرة وحدهم، فكثيرون كانوا يعتمدون الطرابيش للدلالة على الموقع الاجتماعي، وللتعبير عن أهميتهم ومكانتهم الاجتماعية.

يُذكر أنه كانت طرابيش المسؤولين داكنة قليلاً في الغالب، ووازنة على الرأس لا تتحرك إلا بمقدار، والشراشيب فيها دائمًا إلى الخلف.

انقرضت صناعة الطرابيش ولم تعد موجودة بشكلها السابق إلا ما ندر في المغرب العربي، فلم يعد يَستخدم الطرابيش اليوم إلا بعض الأشخاص وربما رجال الدين الذين يضيفون العمامة حوله. وبذلك تراجعت الطرابيش عندما ظهرت القبعات العسكرية، واختفت تدريجيًّا من الحياة العربية، ولم يبق لها الأثر إلا في بعض المظاهر الاجتماعية، أو بعض الفرق الدينية التي ترتديها لإحياء ليلة ذكر أو مناسبة دينية.

وهكذا مع مرور الزمن انقرضت صناعة الطرابيش، بعدما كان الطربوش فخرًا لبِكَوات، وباشاوات، وأفنديَّة، وقَبَضايات أيام زمان، الذين كانوا يعتمدونه كغطاء للرأس. وصار أبناء جيلنا يتعرفون عليه من خلال مشاهدة بعض المسلسلات التلفزيونية، التي تدور رحالها في الأحياء والحارات الشعبية.

——————–

(*) كاتبة وباحثة مغربية.

المراجع

(١) ألفاظ حضارية بطل استعمالها، أحمد السعيد سليمان، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة. الجزء 64.

(٢) الطربوش، موسوعة المورد، منير البعلبكي 1991م-2019م موقع واي باك مشين.

(3) Honored Ottoman hat from the Mediterranean, Daily Sabah.3.

(٤) Fez | hat | Britannica, www.britannica.com

(٥) Hilda Amphlett (2024), Hats: A History of Fashion in Headwear, FEZ. (From Fez in Morocco), Of Turkish origin.4.

(٦) Last Refuge of the Tall Tasseled Ottoman Hat, The New York Times 6.

(٧) Ann LoLordo (2022), That brimless hat signified style Fez dye originates, Fez Journal.

اترك تعليقاً

إغلاق