أخبار

ثقافة الحوار…

كشفت التحولات العالمية والرقمية، والأحداث المختلفة التي تمر بها المجتمعات، عن كثرة الجدل، وتزايد الصراع الفكري، وتدني مستويات الحوار والتفاهم، وضعف القدرة على الوقوف على أرضية مشتركة، وربما غياب ثقافة الحوار واحترام الآخر. فعندما يكون أي مجتمع مليئًا بالمتغيرات والمتناقضات والاختلافات، فإنه قد يتجه إلى أحد مسارين: إما النزاع والصدام، وهذا يكون ناتجًا عن عقلية فردية لا تؤمن بحقيقة أن المجتمع لا يمكن أن يسير برأي واحد، وإما الحوار والتفاهم، وهذا يكون نتاج عقلية جماعية تؤمن بالآخر وبحقه في التعبير عن ذاته ورأيه، ولا تسعى إلى التحكم فيه أو السيطرة عليه فكرًا وسلوكًا.

والحوار ليس مجرد وسيلة لحل النزاعات، بل هو لغة الحضارة، ودعامة أساسية لتحقيق التعايش السلمي المشترك بين الأفراد، وهو من ضرورات العصر الذي لا يمكن فيه التعايش والتفاعل والتفاهم إلا بقبول الحق في الاختلاف، والانفتاح على الآخر، وتبادل الأفكار والآراء معه. كما أن الحوار من الأنشطة التي تحرر الفرد من الانغلاق والانعزالية، وتفتح أمامه قنوات للتواصل، يكتسب من خلالها مزيدًا من المعرفة والوعي النقدي.

والحوار، في دلالة اللفظ اللغوي، يتضمن المراجعة التي تحدث غالبًا بين الطرفين؛ فينتقل الحديث والكلام من الأول إلى الثاني، ثم يعود إلى الأول، وهكذا، دون أن يكون بين هذين الطرفين ما يدل بالضرورة على وجوب الخصوصية.

ويُعرَّف الحوار بأنه نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين، يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة، فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء، والبعد عن الخصومة والتعصب.

وتتضمن ثقافة الحوار استجابات الأفراد التي تعكس تقبلهم لأفكار وممارسات الآخرين المختلفين عنهم في الأفكار والآراء، والتعليم، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، وغيرها من جوانب الاختلاف، والإقرار بحقهم في ممارسة حقوقهم كافة في المجتمع؛ وصولاً إلى العيش معهم في جو يسوده الفهم، والهدوء، والاحترام المتبادل، بغية الوصول إلى قواسم وأهداف مشتركة.

والجامعات ليست مجرد أماكن لتلقي العلوم فحسب، بل هي أيضًا بيئات ينبغي أن تُبنى فيها مهارات التواصل، والتفاهم، والتفاوض، وإدارة الاختلاف. وعلى الطالب الجامعي أن يتعلم فن الحوار والاستماع قبل أن يرد، ويناقش، ويجادل. وتُعد الجامعات، بما تملكه من إمكانات مادية وبشرية، من أهم الوسائط لتعزيز ثقافة الحوار لدى شباب الجامعات، إذا توافرت لها سبل الاستثمار الواعي لإمكانات الحياة الجامعية، والتواصل الإيجابي والفعال بينها وبين العالم المحيط بها.

وتبرز أهمية تعليم الشباب الجامعي وتدريبهم على أساليب الحوار والتفاوض، بوصف ذلك ركيزة أساسية لبناء جيل قادر على القيادة الفعالة، وحل النزاعات والصراعات بطرق سلمية؛ فالكثير من الصراعات في مختلف المؤسسات لا تنشأ بسبب تضارب المصالح فحسب، بل بسبب تدني مستويات الحوار، والتواصل، والتفاهم.

إن أي رؤية لتعزيز ثقافة الحوار لدى شباب الجامعات وتفعيلها، إنما هي جزء من السياق المجتمعي أو المجال العام، الذي يستلزم إجراء تغييرات فيه، بوصف ذلك شرطًا ضروريًّا لنجاح أي جهد يهدف إلى تعزيز ثقافة الحوار. وهنا ينبغي التأكيد على أن الجامعة جزء من المجتمع، فهي في حاجة إلى دعم من النظام السياسي القائم، والأحزاب السياسية الموجودة على الساحة، وكذلك منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والأسرة؛ لتعزيز وتنمية ثقافة الحوار لدى شباب الجامعة بصفة خاصة. إذ لا يمكن لجهة واحدة أن تضطلع بمسؤولية نشر ثقافة الحوار وتعزيزها، ومن ثم فلا بد من اشتراك جميع المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية في تعزيزها ونشرها؛ فكل هذه الأطراف مسؤولة عن هذا البناء الوطني للناشئة والشباب، وتنمية قدرتهم على ممارسة الحوار في مختلف المجالات والميادين.

ولتعزيز ثقافة الحوار لدى شباب الجامعات، لا بد من الانطلاق من ركيزة أساسية، تستند إلى تهيئة عناصر المنظومة التعليمية في الجامعات؛ لتكون بيئة مواتية وصالحة لتعزيز ثقافة الحوار لدى طلابها. ويتطلب ذلك إحداث إصلاحات وتغييرات جذرية في مختلف العناصر الفاعلة في تلك المنظومة، من خلال تبني الفكرة الأساسية لمفهوم ثقافة الحوار والتفاوض وتنميتها، ونشر ثقافة الحوار وترسيخها في الجامعات، وبناء علاقات إنسانية بين جميع أطراف العملية التعليمية داخل الجامعات تقوم على الحوار، والتفاوض، والتعايش السلمي، والاحترام المتبادل، والنظر إلى الجامعة بوصفها مؤسسة مجتمعية تؤثر وتتأثر بالوسط الاجتماعي الذي توجد فيه. ومن ثم فإن النظر إلى الجامعات بوصفها بناءً اجتماعيًّا يقتضي أن تظهر فيها ديناميات الحوار وقبول الآخر.

وينبغي الأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تمر بها المجتمعات، والتي تنعكس على جميع عناصر المنظومة التعليمية في الجامعة، وتفرض عليها تغيير سياستها التعليمية، وإصلاحها، وتغيير نظرتها إلى أساليب التعليم، وإصلاح إداراتها ومناهجها؛ بحيث تعمل على إكساب الطلاب أساليب جديدة تعتمد الحوار، والتفاوض، وتقبل الآخر في مواجهة النزاعات والأزمات، مع ضرورة التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم الحواري، الذي يتطلب أن يكون الحوار محور العملية التعليمية وهدفها وغايتها.

وأخيرًا، إذا لم تكن هذه القضايا مسلماتٍ أساسيةً عند وضع أي محتوى تعليمي، فإن التعليم سيظل يدور في فلك التعليم التلقيني، ولن تتاح أي فرصة لبناء نظام تعليمي يساعد على تعزيز ثقافة الحوار لدى شباب الجامعات.

اترك تعليقاً

إغلاق