أخبار
التوبة – موقع…

التوبة هي أن يجدد الإنسان نفسه، وأن يُصلح ما تصدّع في داخله. فهي سعيٌ إلى التوازن القلبي الذي اختلّ نتيجة الأفكار المنحرفة والتصرفات الزائغة. والتوبة في حقيقتها، فرار العبد من الحق تعالى إلى الحق تعالى؛ أو بتعبير أدق، هي انتقال من مظانّ غضبه إلى ساحات لطفه، ولجوء من حسابه ومؤاخذته إلى رحمته وعنايته.
ويمكن تعريف التوبة أيضًا، بأنها محاسبةٌ يخوضها الإنسان مع نفسه تحت وطأة الشعور بالإثم. فهي أن يقف الوعي والإرادة كالجبال الشامخة في وجه النفس التي اعتادت أن تدير الحياة بغير مسؤولية ولا انضباط، وأن يتصدّيا للخطيئة بثباتٍ، فلا يتركان لها سبيلاً إلى القلب أو السلوك. تلك هي حقيقة التوبة.
إذا كان الإثم سقوطًا في هوّة الانحراف نتيجة فقدان التوازن، فإن التوبة -حسب مقتضياتها- هي الوثبة التي ينتشل بها الإنسان نفسه من تلك الهوّة ليعود إلى الصواب. وإذا كان الإثم جرحًا في الروح بسبب لحظةٍ من غفلة الضمير وضعف المراقبة، فإن التوبة هي وقوع القلب في عذاب دائم، وبدء بمراقبة جدّية وسيطرة حازمة على النفس، مما تكسب المشاعر الإنسانية قوة وعزمًا جديدَين.
ولما كان الإثم ينشأ تحت تأثير الشيطان وغلبة النفس، فالتوبة هي دفاع عن المشاعر الإيمانية في مواجهة الشيطان، وسعي إلى إصلاح الروح وإعادة التوازن في العالم الداخلي.
وبعكس الإثم الذي يؤدي إلى تآكل الروح وتعريتها، تقوم التوبة بإعادة إحياء تربة القلب، وإنباتها بخضرة “الكلمة الطيبة” التي تمثل أزكى الأفكار وأجمل الأقوال؛ لمنع ما يُحدثه الإثم من خرابٍ وتآكلٍ روحي. وما أعظم التوبة التي توقظ القلوب، قبل أن يأتي اليوم الذي تشخص فيه الأبصار وتبلغ فيه القلوب الحناجر! ليتنا نوفَّق إلى توبةٍ صادقة تفيض معها الآهات والعبرات، وتبلغ من العمق ما يجبر كل كسر أحدثه الإثم، وتسد كل ثغرة فتحتها المعصية في قلوبنا.
أجل، التوبة عنوان العودة الشُّجاعة، أما خلافُه فكلمة باطلة وتصرّف خادع. وإذا لم يتم تلافي ما فات، وما لم تسد ثغرات الإثم التي أحدثت ندوبًا في بعض مساحات الزمن، وما لم تَظْهر في المشاعر رجفة، وفي الروح ألم، وفي العيون دموع، فإن ادّعاء الندم على السيئات المرتكَبة، يبقى فارغًا بعيدًا عن القبول.
الآثام أنواع شتى، والتوبة تختلف باختلاف الآثام. وإن الإخلال بوحدة الأمة ذنب عظيم. وبناءً على ذلك، فمن يرتكب هذا الإثم يُعَدّ من أكبر المجرمين لدى الخالق ولدى الخلق. ومن ثم، فالتوبة من مثل هذا الإثم، لا تُقبل إلا بعد إرجاع الحياة الاجتماعية التي قُلِبَ عاليَها سافلَها إلى عهدها وإلى صحتها ووحدتها السابقة.. وإلا فإن ادعاء الندم من الذين أوصلوها إلى هذه الحال -في الوقت الذي يعاني المجتمع من هذا المأزق المخيف ومن هذا الخطر الداهم- ليس سوى انخداع وخداع.
أجل، إن التوبة من مثل هذا الإثم لا تتحقق إلا بأن يُعلَن -وبأعلى صوت- للمجتمع كله، الرجوعُ عن تلك الأفكار المنحرفة التي بُذرت في كل مفاصل المجتمع لتمزيقه وتخريبه. وإن انتظار العفو والمغفرة بتوبة صامتة وندم خفي، ليس إلا نوعًا من الوهم والخداع. وعليه، ستظلّ الصراعات الداخلية مستمرة، وستزداد الضغوط والتضييقات الخارجية كلما اشتدّت مظاهر الضعف والتراخي والتشتّت في المجتمع؛ ذلك أن صلاح المجتمع وانتظام أمره، أيْ كَوْن التوفيق الإلهي مصاحبًا له، إنما يتوقف على تفاهم أفراده وجماعاته وتوافقهم، أو على الأقل، على تصالحهم فيما بينهم وعدم وقوعهم في الاختلاف والنزاع.
وعلى العكس من ذلك، إن الأمة التي تنازعت فيما بينها واسودّ أفقها الاجتماعي بالخلافات، تحتاج إلى توبة جماعية شاملة. ومثل هذه التوبة لا تتحقق إلا بأن يكون المرء، في المحبة والعفو والتسامح، حواريًّا وفيًّا لروح الله عيسى عليه السلام في صفحه ومغفرته، ولا يكون ذلك إلا بمساندة كل فرد، ومعاونة كل فكر ما دام الطريق والاتجاه حقًّا، وبالتصفيق لكل نهضة خيّرة، والانحناء تقديرًا أمام كل تضحية. ويتهيأ لي عدم وجود علاج أنجع من هذا لتضميد جراحاتنا النازفة منذ عصر كامل، فليس هناك علاج مجرب وموضوعي أفضل من هذا العلاج. ويكاد يكون من المستحيل العثور على بديل آخر له اليوم.
ولكن مع الأسف الشديد، إننا ما زلنا منذ سنوات، نبحث -باسم التوبة- عن طرُقٍ سهلة -كمراسيم ليلة الجمعة- للخلاص من أكوامٍ من الآثام التي أثقلت كواهلنا. ولو كان هذا الطريق المختصر من التوبة والندم يكفي للآثام الفردية، فإن الجرائم ذات الصلة بالمجتمع، تحتاج إلى انتفاضةٍ جماعية حقيقية، وتجديدٍ شامل للنفس.
آه مِن هذا الفرار من بذل الجهد، ومن هذه الروح الاتكالية التي تريد الثمار بلا عناء!
ينبغي لكل مؤسسةٍ تمثّل المجتمع أن تتوب، وأن تكون توبتها بإدراكٍ لما أنهكها وأفناها من إهمالٍ وأخطاء، ثم السعي إلى تدارك ذلك وجبره.
ينبغي للطاقم الإداري أن يتوب، وذلك بأن يستشعر جرائمه وآثامه، ويتخذ منها موقفًا حازمًا كاملاً، فيجدّد نفسه وينهض من جديد. وإلا فلو أُقيمت مراسمُ الندم والتأسّف خمسين ألف مرّة، فلن يكون بالإمكان التقدّم مقدار وخزة إبرة. فتبًّا آلاف المرات لمن يرى في مثل هذا الداء دواءً. وتبًّا آلاف المرات لمن ينخدع مرارًا وتكرارًا بالأمور نفسها!
ترتقي المؤسسة القضائية، وتحلّق بأجنحة الإنصاف وسداد الحكم، حتى تغدو أهلاً لسَلْطناتٍ فيما وراء السماوات. فما دامت تتنفّس العدالة، كانت ساعاتُها عند الحق تعالى بمنزلة السنين. ولا تفقد شيئًا من هذه المنزلة حين تستشعر الألم أمام أحكامٍ جانبت الصواب، فتنحني من شدة الندم والاضطراب. غير أن لهذه المؤسسة لحظاتٍ أخرى تُسقط فيها علوَّ الحق، وتجعل القوة هي الحاكمة، وتضحي بالحق على مذبح القوة، فحينذاك -وبهذه الحال- لا تستحق أي عفو أو توبة.
وكذلك الأمر في مؤسسات التربية والتعليم؛ فما دامت هذه المؤسسات محافظة على مشاعر الأمة وأفكارها ومقدساتها، وحارسًا يقظًا لها، فهي مؤسسة موقّرة جليلة جديرة بكل تقدير. أما حين تفتح الباب للأيديولوجيات المنحرفة والمشوّهة، فإنها تغدو أعتى من قُطّاع الطرق، وأجرم من المجرمين. ولن يكون لها عفو ولا توبة ما لم تتخذ موقفًا حازمًا وجادًّا من الأفكار الأجنبية الهدّامة.
إن جميع الكيانات السياسية، وكلَّ الأفراد والجماعات غير السياسية، بل حتى المفكرين والكتّاب والمرشدين، إذا انحرفوا إلى عقلية الاحتكار والانغلاق بدافع محبتهم لأنفسهم وجماعتهم، ثم أضمروا العداوة لأهل الحق ممن هم خارج دائرتهم، فَهُم في إثم عظيم، ولا سبيل أمام كل فرد منهم إلا طَرْق باب التوبة، والتوبة هنا فرض عليهم يفوق كل الفرائض.
أجل، إن الواجب على جميع هذه المؤسسات والأفراد، أن يراقبوا أنفسهم مرة أخرى عن كثب، وأن يروا نصيبهم من الإهمالات والأخطاء والآثام في سفينة الأمة الجانحة، ثم يتوجّهوا بعد ذلك إلى تدارك ما فات وإصلاح ما فسد. أما إذا ظلّوا -كما فعلوا حتى اليوم- يبحثون عن مواضع الذنب خارج أنفسهم وخارج جماعتهم، ويواصلون تشويه الطرف الآخر وسمعته، فليس ببعيدٍ أن تحلَّ بنا مصائب نعجز عن مواجهتها، وأن ننتهي إلى الزوال من الوجود.
أجل، لقد اقترفنا أكبر الذنوب حين رأينا الآخرين وحدهم مذنبين، ورأينا أنفسنا فقط أبرياء منزّهين عن الخطأ. وما دمنا متمسكين بهذه النظرة، سيظل المناخ الاجتماعي يزداد صلابة وتوترًا، وستظلّ موجات التمزّق والانقسام تتلاحق بسرعةٍ أكبر. لذا، فإن كل الأرواح التي لها صلةٌ مادية أو معنوية بمصير هذه الأمة، وكل القلوب الصادقة التي كرّست نفسها لخدمتها، مطالَبة بأن تجثو مرةً أخرى على ركبتيها، وتعود بتوبة خالصة له سبحانه وتعالى.
إنهم ملزَمون بالتوبة من افتتانهم بالمقام والمنصب، ومن تحولهم -تحت تأثير العصبية لجماعتهم- إلى عميان صمّ حتى وقعوا في أسر الانغلاق والاحتكار، ومن ترْكهم الأجيالَ -وسط ألف تناقض وتناقض- بلا قلبٍ ولا روح، ومن غرقهم في نزعات القهر والتسلط حتى صاروا يرون الحقَّ في جانب القوة، ومن إعلانهم الحرب على كل ما يخالف أفكارهم ولو كان مستمدًّا من أنفاس ربانية، ومن تعلّقهم بالمصالح والمنافع الشخصية، ومن تورّطهم في الكذب والتزوير والخداع والتدليس، ومن عدِّهم كل وسيلةٍ مشروعةً ما دامت توصلهم إلى أهدافهم، ومن ميلهم إلى التكيّف مع كل مرحلة وكل عهد. أجل، إنهم مضطرون إلى التوبة من ذلك كله، وإلى تجديد عهدهم وميثاقهم مرةً أخيرة إكرامًا للإنسانية.
فهنيئًا لمن أدرك ذنبه فسارع إلى التوبة! وهنيئًا لمن كان صلبًا على نفسه، متسامحًا ليّنًا مع غيره من أهل الحق!
(١) نشر هذا المقال في مجلة “سيزنتي” التركية، العدد:٣٣ (أكتوبر ١٩٨١م)، تحت عنوان “Tevbe”. الترجمة عن التركية: هيئة حراء للترجمة.